ولقد زهد صلوات الله عليه في الدنيا وأحب للناس أن يأخذوا منها
حاجاتهم ، ولو أعطاهم من عنده ما يخلف لديه خصاصة . فما أوفقه سلام الله
عليه مصداقا لقول جده المصطفى صلى الله عليه وآله : ما جبل ولي الله إلا
على السخاء ، والسخاء ما يقع على كل محبوب أقله الدنيا ، ومن علامات
السخاء أن لا يبالي من أكل الدنيا ، ومن ملكها ، مؤمن أو كافر ، ومطيع أو
عاص ، وشريف أو وضيع ، يطعم غيره ويجوع ، ويكسو غيره ويعرى ،
ويعطي غيره ويمتنع من قبول عطاء غيره ، ويمن بذلك ولا يمن ولو ملك
الدنيا بأجمعها ، لم ير نفسه فيها إلا أجنبيا ، ولو بذلها في ذات الله عز وجل
في ساعة واحدة ما ملء ( 1 ) . أو في رواية : ما مل .
فالسخي من بذل ولم يخش الفقر ، وأطعم غيره وجاع ، وأعطى غيره
وامتنع من قبول عطاء غيره ، إذا كان ذلك الغير مغرضا ، أو كان السخي يخشى
على نفسه الطمع . إذن فالسخاء ما حظي بخصلة العفة والإباء ، فهذا من كرم
النفس وعزتها ، ولقد ذكر لنا التاريخ أن الإمام موسى بن جعفر الكاظم عليه
السلام قال : إن الحسن والحسين عليهما السلام كانا لا يقبلان جوائز
معاوية بن أبي سفيان ( 2 ) . ذلك أن معاوية كان يحاول بجوائزه أن يستميل
الإمامين عليهما السلام - وحاشاهما - ليقولا له بالإمامة الشرعية ، والخلافة على
المسلمين ، وهيهات هيهات ذلك . هذا من جهة ، ومن جهة أخرى كان يحاول
أن يقول للناس إن الأئمة - حاشاهم - أهل دنيا ، ألا ترون كيف يفرحون
بالهدايا ، ويطمعون بالعطايا ، ويتنازلون بذلك عن شؤون الدين وأمور
هامش
1 - مصباح الشريعة : 82 ، الباب 36 - في السخاء .
2 - مسند الإمام موسى بن جعفر عليهما السلام : 44 .