الأصوات بالبكاء والنحيب وقالوا : حسبك يا ابنة الطيبين ، فقد أحرقت قلوبنا ،
وأنضجت نحورنا ، وأضرمت أجوافنا . فسكتت ( 1 ) .
وأما العقيلة زينب عليها السلام ، فقد أصغت بعقلها وقلبها إلى موعظة
أخيها الحسين سلام الله عليه ليلة عاشوراء ، حيث قال لها : يا أختاه ! اتقي الله ،
وتعزي بعزاء الله ، واعلمي أن أهل الأرض يموتون ، وأهل السماء لا يبقون ،
وأن كل شئ هالك إلا وجهه تعالى ، الذي خلق الخلق بقدرته ، ويبعث
الخلق ويعودون ، وهو فرد وحده . جدي خير مني ، وأبي خير مني ، وأمي
خير مني ، وأخي خير مني ، ولي ولكل مسلم برسول الله صلى الله عليه
وآله أسوة .
يا أختاه ! أقسمت عليك فأبري قسمي ، لا تشقي علي جيبا ،
ولا تخمشي علي وجها ، ولا تدعي علي بالويل والثبور إذا أنا هلكت ( 2 ) .
وكانت زينب سلام الله عليها عند وصية أخيها ، حيث لم ير الأعداء منها
وهنا ، بل وجدوها تلك الحرة الأبية ، واللبوة الطالبية ، والمعجزة المحمدية ،
والذخيرة الحيدرية ، والوديعة الفاطمية . . تحدت بمواقفها أهل النفاق والفتن ،
وأرهبت الطغاة في صلابتها ، وأدهشت العقول برباطة جأشها ، ومثلت أباها
عليا بشجاعتها ، وأشبهت أمها الزهراء في عظمتها وبلاغتها . . فقد شاهدت
إخوانها ، وبني إخوانها ، وبني عمومتها ، وشيعة أخيها على الرمال مجزرين ،
وشاهدت إحراق خيامها بعد قتل أخيها الحسين عليه السلام ، ومرت على
مصارع الشهداء ، وعاشت محنة الأسر ، والسفر المرير إلى الكوفة ثم الشام ،
هامش
1 - نفسه : 65 .
2 - زينب الكبرى بنت أمير المؤمنين عليه السلام / للشيخ جعفر النقدي : 121 .