وكان الإمام الحسين عليه السلام قد شد على قلوب أهل بيته بالصبر
والرضى بقضاء الله ، فلما رأى النساء يبكين عليه ليلة عاشوراء ، وسمع أخته أم
كلثوم تنادي : " وا ضيعتنا بعدك يا أبا عبد الله ! " عزاها عليه السلام وقال لها :
يا أختاه ! تعزي بعزاء الله ، فإن سكان السماوات يفنون ، وأهل الأرض كلهم
يموتون ، وجميع البرية يهلكون .
ثم قال : يا أختاه ! يا أم كلثوم ، وأنت يا زينب ، وأنت يا فاطمة
( ابنته ) وأنت يا رباب ( زوجته ) انظرن إذا أنا قتلت . . فلا تشققن علي
جيبا ، ولا تخمشن علي وجها ، ولا تقلن هجرا ( 1 ) .
وكان درسا في الصبر ، وفي العزة والإباء أمام أعداء الله . وفي الوداع
الثاني لعياله أمرهم بالصبر ، وقال : استعدوا للبلاء ، واعلموا أن الله تعالى
حاميكم وحافظكم ، وسينجيكم من شر الأعداء ، ويجعل عاقبة أمركم إلى
خير ، ويعذب عدوكم بأنواع العذاب ، ويعوضكم عن هذه البلية بأنواع النعم
والكرامة . فلا تشكوا ، ولا تقولوا بألسنتكم ما ينقص من قدركم ( 2 ) .
وقد أخذت هذه الموعظة طريقها إلى قلوب العيال ، فكان منهم الثبات
والصبر والإباء ، والعزة والشموخ . . فهذه " سكينة " ابنته ( لم يتضعضع
صبرها ، ولا وهي تسليمها للقضاء الجاري ، ولم يتحدث المؤرخون عما ينافي
ثباتها على الخطوب في الكوفة والشام مع ما لاقته من شماتة ابن مرجانة وابن
ميسون ونكته بالعود رأس الحسين . . . ) ( 3 ) .
وهذه أم كلثوم تقف في الكوفة فتخطبهم قائلة : " يا أهل الكوفة ! سوأة
هامش
1 - اللهوف : 34 .
2 - جلاء العيون / للشيخ المجلسي .
3 - السيدة سكينة / للسيد عبد الرزاق المقرم : 64 .