ولما زار مقابر الشهداء بالبقيع ، قال عليه السلام :
ناديت سكان القبور فأسكتوا * فأجابني عن صمتهم ندب الحشا
قالت أتدري ما صنعت بساكني * مزقت جثمانا وخرقت الكسا
وحشوت أعينهم ترابا بعد ما * كانت تأذى باليسير من القذا
أما العظام . . فإنني مزقتها * حتى تباينت المفاصل والشوى
قطعت ذا من ذا ومن هذا كذا * فتركتها مما يطول بها البلى ( 1 )
كلمات رشيقة ، وعبارات عذبة ، ومعان عالية في صور مؤنسة ، أثمرت
عن أبيات واضحة سهلة الحفظ ، من شأنها أن تبقى في خاطر السامع تتردد
على ذاكرته حتى ترسخ قيمها الأخلاقية والعقائدية ، فتنعكس سلوكا صحيحا
وموقفا محقا .
والآن ، نذهب إلى المنبر الحسيني الواعظ ، حيث نستمع إلى ما يجود به
علينا من كلمات راشدة ، وحكم باصرة ، ووصايا ذات عبر . . .
خطب الإمام الحسين عليه السلام يوما فقال :
يا أيها الناس ! نافسوا في المكارم ، وسارعوا في المغانم . . . واعلموا
أن حوائج الناس إليكم ، من نعم الله عليكم ، فلا تملوا النعم فتحور نقما .
واعلموا أن المعروف مكسب حمدا ، ومعقب أجرا ، فلو رأيتم المعروف
رجلا ، رأيتموه حسنا جميلا ، يسر الناظرين ، ولو رأيتم اللؤم رأيتموه
سمجا ( 2 ) مشوها ، تنفر منه القلوب ، وتغض دونه الأبصار .
أيها الناس ! من جاد ساد ، ومن بخل رذل . وإن أجود الناس من أعطى
هامش
1 - تاريخ ابن عساكر 4 : 325 .
2 - السمج : القبيح والخبيث .