حينما كلفوا بالوقوف في وجه الكفر والظلم اتخذوا لأنفسهم مساجد
ومحاريب ، أو صوامع يتعبدون فيها ، فتطير أخبار صلاحهم في البلدان ،
ويأمنون بعد ذلك سطوة السلطان .
فلا يعرفون إلا بالزهد وعناء العبادة ، وترك الدنيا ، في حين أن زهدهم
لم يكن بالأموال بل زهدوا بالثواب العظيم ، وأن عبادتهم تلك كانت معاصي إذ
لم يكلفهم بها الله تعالى إنما كلفهم بالكلمة الحقة العادلة في وجه السلطان
الظالم الجائر ، فتركوا ذلك ولم يأتمروا ، وعصوا الله . . والعبادة هي الطاعة .
كذا لم يكن مكثهم في المساجد والمحاريب تعبيرا عن ترك حب الدنيا ،
بل كان تعبيرا عن حب الدنيا ، لأنهم حين قبعوا في زواياهم تلك أرادوا الحفاظ
على أنفسهم ، والإبقاء على حياتهم ودنياهم وإن مات الدين ، وسحقت كرامة
المسلمين . لكن الإمام الحسين سلام الله عليه كان ممن عرف بصبره على طاعة
الله ، وفي الوقت ذاته عرف بصبره عن معصية الله ، وكان الانزواء في تلك
المرحلة التأريخية من أكبر المعاصي ، إذ يمكن الكفر من الشريعة ، ويمكن
الطغاة من رقاب الناس .
وكان من صبر الحسين صلوات الله عليه أن اقتحم ساحة المواجهة ضد
رؤوس الضلال والفساد والظلم ، وجابه الطواغيت بجميع صورهم وقواهم ،
وعرض نفسه المقدسة للصعاب من أجل إنقاذ الرسالة الإسلامية والأمة
الإسلامية . فبهجومه هجم على كل انحراف ، وببريق سيفه كشف كل حقيقة ،
وبنهضته نبه كل غافل ونائم ، فكان صبره متحليا بالإباء لا بالخنوع ، وبالوعي
والعزة لا بالانزواء والخضوع .
وقد شهدت له ساحة الطف أنه الصبور الصبور ، فمع قلة العدد ، وخذلان
الناصر ، وكثرة العدو ، وشدة الموقف ، وذلك العطش القاتل ، وحراجة الحال ،
الأخلاق الحسينية — صفحة 244
مساهمون: جعفر البياتي
ص٢٤٤