ومن بعد المصطفى صلى الله عليه وآله حارب أهل البيت عليهم السلام
على التأويل ، كما حارب رسول الهدى على التنزيل ، فدعوا قومهم ما استطاعوا
وما وجدوا إلى طاعة الله سبيلا ، حتى أضطر الإمام علي عليه السلام إلى دفع
المارقين والقاسطين والناكثين بالاحتجاجات الطويلة . . فلما رأى سيوفهم سلت
على الاسلام ، جرد سيفه ذا الفقار فدفعهم في الجمل وصفين والنهروان ، لا يجد
عن ذلك بدا ، لأن شريعة الله ، وحال دولة الاسلام أصبحا في خطر ، وكذا أنذر
وضع الأمة بالانحراف .
وجاء الإمام الحسن سلام الله عليه فخطب وخاطب ، ودعا واستدعى ،
وبلغ وبالغ في النصيحة ، فتخلف الناس عنه ، واتجهت قلوبهم إلى الدنيا
وعيونهم إلى دنانير معاوية . فلما دعاهم إلى قتال المنحرفين تململوا ، وتعللوا ،
وتثاقلوا ، ثم غدروا به وخذلوه وكادوا يقتلونه ، حتى استطاع ( معاوية ) أن يدس
له السم القاتل على يد الآثمة " جعدة " فقتله ، وأصبحت الأمة في محنة حقيقية .
وجاء الإمام الحسين صلوات الله عليه . . فلم يشرع أمره بالسيف ،
ولم يبدأ الناس بالدعوة إلى الحرب ، بل تقدم لهم بالكلمة المرشدة المدعومة
بالدليل العقلي . والدليل الشرعي النقلي ، فخاطب العقول والضمائر ، وعالج
النفوس المنكمشة والقلوب المتحيرة ، وصدع بالحق والحقيقة بشجاعة عاقلة
هادفة ، حملها ذلك القائد الهمام بين جنبيه مع حب الخير للناس ، فجمع إلى
الوعي التوعية . . ومن أفقه من الإمام الحسين عليه السلام ! ومن أوضح منه بيانا
إذا خطب أو خاطب ؟ !
وكانت كلماته سلام الله عليه تبث همة الجهاد ، وتبعث روح الشجاعة في
النفوس المخذولة المنهزمة . لأن معاوية أنفق بيت مال المسلمين على شراء
الأخلاق الحسينية — صفحة 165
مساهمون: جعفر البياتي
ص١٦٥