فكان لا بد أن يقوم الإمام الحسين عليه السلام لله ، وعلى حب الله ،
وطاعة الله ، وفي سبيل الله . . ولو كلفه ذلك الدماء الزكية ، والأنفس القدسية ،
وآلام الأسر ، وهو يعلم أن يزيد هذا لا يتورع عن انتهاك أي حرمة ، وارتكاب
أي جريمة ، فبذلك يثبت للناس أن يزيد كافر ، وأن الأمة متخلفة عن تكاليفها
الشرعية ، وهذا لم يكن للإمام الحسين عليه السلام أن يثبته إلا بالدم النبوي
الشريف .
فعرض بدنه للسيوف والرماح والسهام ، وعرض أسرته للقتل والسبي
ليسلم الدين ، ويستفيق المسلمون من أسر الغفلة وحب الدنيا والخوف . . وفعلا
افتضح أمر ( يزيد ) بعد واقعة الطف ، وبعد تلك المواقف الشجاعة التي ظهرت
من الإمام الحسين عليه السلام ، حتى إذا استتب له الأمر هجم على المدينة في
واقعة الحرة فهتك حرمة حرم رسول الله صلى الله عليه وآله ، حيث أباح
دماءها وأعراضها ثلاثة أيام ، فقتل جيشه ألفا وسبعمائة من الأنصار
والمهاجرين وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله ووجوه الناس ، ومن
العوام عشرة آلاف سوى النساء والصبيان . هذا ما ذكره ابن قتيبة في الإمامة
والسياسة ، أضف إلى ذلك النهب والإفساد وأسر المسلمين ، وانتهكت ألف
بنت في هذه المأساة ، وحملت ( من الزنا ) سبعمائة امرأة بأولاد الزنا . ثم ماج
يزيد على الكعبة فهدمها سنة 64 ه بالمنجنيق كما يذكر ابن الأثير في تاريخه
( الكامل ) 4 : 124 .
إن الموقف يومذاك قد تطلب معرفة أمر الله وحكمه ، والحسين
سلام الله عليه من أهل بيت الوحي ، ومستقى العلم . . وكذا تطلب الموقف
شجاعة عالية لا يرقى إليها إلا الحسين ، ولا يطالها إلا سيد شباب أهل الجنة ،
الأخلاق الحسينية — صفحة 160
مساهمون: جعفر البياتي
ص١٦٠