الظاهر ( أي معاوية بن يزيد بن معاوية ) أنه لما ولي صعد المنبر فقال : إن هذه
الخلافة حبل الله ، وإن جدي معاوية نازع الأمر أهله ومن هو أحق به منه
علي بن أبي طالب عليه السلام ، وركب بكم ما تعلمون ، حتى أتته منيته فصار
في قبره رهينا بذنوبه ، ثم قلد أبي الأمر وكان غير أهل له ، ونازع ابن بنت
رسول الله صلى الله عليه وآله فقصف عمره ، وانبتر عقبه ، وصار في قبره
رهينا بذنوبه . ثم بكى وقال : من أعظم الأمور علينا علمنا بسوء مصرعه ، وبؤس
منقلبه ، وقد قتل عترة رسول الله صلى الله عليه وآله ، وأباح الخمر ، وخرب
الكعبة ، ولم أذق حلاوة الخلافة فلا أتقلد مرارتها ، فشأنكم أمركم . والله لئن
كانت الدنيا خيرا فقد نلنا منها حظا ، ولئن كانت شرا فكفى ذرية أبي سفيان ما
أصابوا منها . قال ابن حجر : ثم تغيب في منزله حتى مات بعد أربعين يوما كما
مر ، عن إحدى وعشرين سنة ، وقيل عشرين ، فرحمه الله أنصف من أبيه ،
وعرف الأمر لأهله ) .
وقيل إنه قتل كما قتل معلمه لاتهامه بتعليمه الزهد بالدنيا وهنا بعد هذه
الرحلة التاريخية الطويلة ، نقول : إن الأخلاق : الشرعية ، والسياسية ، والاجتماعية
والإنسانية ، كلها تستدعي لأن ينهض الحسين سلام الله عليه ليصرخ صرخته
التاريخية المدوية في وجه الظلم الذي استفحل فهدد الدين بالتحريف ، وهدد
المسلمين بالقتل المعنوي ، فناموا على قبول الضيم ، وانزووا خانعين ، وماتت
الغيرة والهمة والشهامة والمروءة والكرامة فيهم ، حتى أقروا على حكم يزيد ،
ولم تسمع منهم كلمة حق في وجه سلطان جائر ، ولم ير منهم سيف يسلط في
وجه أمير ظالم ، فغضوا الأبصار عن جرائم بني أمية ، وأصموا الأسماع عما شاع
من يزيد وزمرته من الانتهاكات ، وهتك الحرمات .
الأخلاق الحسينية — صفحة 159
مساهمون: جعفر البياتي
ص١٥٩