شرح
والتحقيق في المقام أنّه لا مجال للحكم ببطلان العقد من رأس قهراً ومن دون اختيار ؛ لأنّه لم يفقد بسبب التخلّف شيء من الأمور المعتبرة في صحّة العقد ، وليس التخلّف كاشفاً عن فقد بعض ما يعتبر فيها ، فالحكم بالبطلان الذي يترتّب عليه رجوع جميع الأجرة المسمّاة إلى المستأجر قهراً ممّا لا وجه له .
ثمّ إنّه على هذا التقدير هل يستحقّ الأجير اجرة مثل ما عمل أم لا ؟ فيه وجهان : من أنّ المقدار من العمل الذي أتى به يغاير ما استؤجر عليه ؛ لأنّه عبارة عن العمل في تمام المدّة ولم يقع بأمر المستأجر أيضاً فلا يستحقّ شيئاً ، ومن أنّ الإتيان به لم يكن ناشئاً عن قصد التبرّع والمجانية ، بل أتى به وفاءً بالعقد المعاوضي .
غاية الأمر وقوع التخلّف بالنسبة إلى البعض ؛ وهو لا يوجب خلوّ ما عمل عن العوض .
ويمكن استظهار الوجه الأوّل من صاحب العروة - حيث إنّه استند فيما إذا عمل الأجير للغير تبرّعاً ؛ لعدم جواز رجوع المستأجر على فرض عدم الفسخ إلى الغير المتبرّع له بالعوض ، سواء كان جاهلًا أو عالماً بالحال - بأنّ المؤجر هو الذي أتلف المنفعة عليه دون ذلك الغير ، وإن كان ذلك الغير آمراً له بالعمل ، إلّاإذا فرض على وجه يتحقّق معه صدق الغرور « 1 » ، فإنّه يستفاد منه أنّ الملاك في جواز الرجوع إلى غير المتلف هو صدق الغرور المفروض عدمه في المقام ؛ لأنّه لم يتحقّق هنا غرور من ناحية المستأجر أصلًا كما لا يخفى ، فلا يرجع الأجير عليه بشيء .
نعم ، اعترض عليه بعض المحقّقين من محشّي العروة « 2 » بأنّ مجرّد الاستيفاء يكفي في جواز الرجوع ، وإن لم يتحقّق معه غرور كما سيجيء تحقيقه ، هذا ما يتعلّق
هامش
( 1 ) - العروة الوثقى 5 : 83 ، مسألة 4 .
( 2 ) - العروة الوثقى 5 : 83 .