شرح
في ذي الحجّة عامين ، ثمّ حجّوا في المحرّم عامين ، ثمّ حجّوا في صفر عامين ، وكذلك في الشهور حتّى وافقت الحجّة التي قبل حجّة الوداع في ذي القعدة ، ثمّ حجّ النبيّ صلى الله عليه وآله في العام القابل حجّة الوداع ، فوافقت في ذي الحجّة « 1 » .
ومن ذلك يظهر أنّ التأخير لم يكن مستنداً إلى الحساب الشمسي ، بل إلى تغيير مكان الأشهر من حيث الحلّية والحرمة ، ومع ذلك لا يكون هذا الوجه بتامّ ؛ فإنّه لو كان كلمة « في كلّ عام » واقعة في آية الحجّ لكان من الممكن أن تحمل على ما ذكر ردّاً على ما كان يصنعه العرب في الجاهليّة . وأمّا مع وقوعها في الرواية المرويّة عن موسى بن جعفر عليه السلام المتقدّمة « 2 » ، فلا وجه للحمل على هذا بعد وجود فصل طويل ، ونسيان ما كان يصنعه العرب في الجاهليّة وبطلانه وعدم تحقّقه أصلًا ؛ لمضيّ أزيد من مائة سنة من الإسلام ، فلا مجال لهذا الحمل .
خامسها : ما يخطر بالبال من أنّ المراد من « كلّ عام » في الرواية التي أشير إليها أنّ فرض الحجّ على أهل الجدة إنّما يكون على سبيل القضيّة الحقيقيّة لا القضيّة الخارجيّة ؛ بمعنى أنّ وجوب الحجّ لا يختصّ بزمان نزول الآية ، بل هو حكم ثابت إلى يوم القيامة على المستطيع ، فليس المراد أنّ المستطيع يجب عليه الحجّ في كلّ عام ، بل المراد ثبوت الحكم إلى يوم القيامة . ويؤيّد هذا الوجه ، بل يدلّ عليه التأمّل في الرواية المزبورة ؛ فإنّه قد وقع فيها الاستشهاد لفرض الحجّ على أهل الجدة في كلّ عام بقوله تعالى : « وَللَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ . . . » .
مع أنّ مقتضى الاستشهاد الاستناد إلى ظاهر الآية ، وما كان يفهمه أهل العرف
هامش
( 1 ) - حكى عنه في مجمع البيان 5 : 50 .
( 2 ) - تقدّمت في الصفحة 24 .