شرح
ونظير ذلك قوله تعالى : « مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ » « 1 » ؛ فإنّ عدم صلاتهم وعدم إتيانهم الزكاة لأجل كفرهم وتكذيبهم يوم القيامة ، ولا تدلّ الآيات على أنّ ترك الصلاة موجب للكفر ، بل الكفر وتكذيب يوم القيامة منشأ لترك الصلاة وعدم أداء الزكاة ، فلا تدلّ الآية على أنّ مُنكر الحجّ كافر « 2 » .
ويرد عليه : أنّ تفسير الكفر بالكفر المتحقّق بأسبابه وجعله مقدّماً للجزاء الذي قام مقامه قوله : « فَإِنَّ اللَّهَ غَنِىٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ » يوجب عدم الارتباط بمسألة الحجّ ووجوبه أصلًا ، مع أنّ ظهور الآية في الارتباط ممّا لا مجال لإنكاره ، فلا محيص من جعل الكفر بأيّ معنى كان مرتبطاً بالحجّ تركاً أو إنكاراً ؛ فإذا حمل على الكفر الاصطلاحي فلابدّ من أن يكون سببه إمّا الترك ، وإمّا الإنكار .
وأمّا التنظير بقوله تعالى : « مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ » إلى آخر الآية فعجيب ؛ فإنّ هذه الآية لا تكون في مقام بيان الكفر وتطبيق عنوان الكافر ، بل في مقام السبب الموجب للسلوك في النار ، وهما أمران : أحدهما : التكذيب بيوم الدين الذي يكون موجباً للكفر ، والثاني : ترك الصلاة والزكاة ، وقد ثبت في محلّه أنّ الكفّار مكلّفون ومعاقبون على الفروع كالأصول ، وهذه قاعدة فقهيّة مذكورة في محلّها « 3 » .
ومن جملة أدلّتها هذه الآية ، فلا ارتباط لها بالمقام الذي لابدّ - كما عرفت - من الارتباط بين صدر الآية وذيلها ، وتحقّق المناسبة بين الكفر والحجّ ، كما لا يخفى ، فهذا الاحتمال في كمال الضعف ، ثمّ إنّ هذه الاحتمالات مع قطع النظر عن الروايات الواردة
هامش
( 1 ) - المدّثر ( 74 ) : 42 - 46 .
( 2 ) - المعتمد في شرح العروة الوثقى 26 : 4 - 5 .
( 3 ) - القواعد الفقهية 1 : 323 - 341 ؛ و 2 : 714 - 723 ؛ عوائد الأيّام : 279 - 292 .