وفي الجملة فينبغي أن تقر بفضل جوائبي الإنكليز على غيرهم من جميع الجوائبيين وسبب ذلك ثلاثة أمور :
أحدها : أنه لا تحريج عليهم فيما يرتأونه من الأمور السياسية والأحكامية وغيرها ، وذلك من بعض قوانين بلادهم .
والثاني : أن عندهم من يبلّغهم الأخبار من جميع أطراف الدنيا ، فصاحب التيمس عنده كتّاب في كل مدينة مشهورة من مدن أوروبا وغيرها وكلهم مهرة في الكتابة والسياسة .
والثالث : أن جوائب الإنكليز أفضل طبعا وورقا من غيرها ، أما جوائب الفرنسيين فإنهم وإن يكونوا من أصحاب البلاغة والبراعة إلا أن باعهم في السياسيات قصير بالنسبة إلى أولئك وليس عندهم أيضا مبلغون للأخبار مثلهم ، ولهذا جرت العادة عندهم بأن يجعلوا نصف الجرنال لحكايات وقصص من كتب مشهورة ، ومثل هذا عند الإنكليز منكر وأنا أيضا أنكره فإن الجرنال غالبا ما يكون في ورق أكبر من ورق الكتب فلا يحسن أن يجعل منه كتاب ولا سيّما أن ورق الجرنالات الفرنساوية غير جيد فإذا علم هذا علم أيضا سبب إيثارنا النقل من جوائب الإنكليز على ما سواها ولا سيّما الفصول الطويلة التي تنبئ عن علائق الدول بعضها ببعض وعما يمكن الحدس فيه في المستقبل بالنظر إلى دوام صلتها وارتفاعها وانخفاضها وما بها من الداء وما لها من الدواء فإن كثيرا من هؤلاء الكتّاب من أهل السياسة فضلا عن كونهم من أهل الدراية والكياسة ، وهذه الحوادث هي التي تعنونها بالحوادث الخارجية وهي في الحقيقة الأخبار السياسية وإن يكن حسبها بعض جهلة العرب من قبيل التاريخ لظنه أن الأخبار لا بد وأن تكون مؤدّاة بعبارة كان ، وحدث ، وجرى ، ووقع واتفق ونحو ذلك :
وكم من عائب قولا صحيحا * وآفته من الفهم السقيم
فأما الحوادث التي لا حدس فيها ولا أعمال نظير وهي من قبيل كان وصار وأخواتهما فهي التي اصطلحنا على تسميتها بحوادث شتى ولعلها تعجب من لا يتعمل لدقائق المعاني وتبحر الأفكار أكثر إلا أن نسبتها إلى تلك كنسبة فلك صغير إلى بارجة حيث مرفأ التحقيق عن راكبه في قاموس اليم سحيق وبرّ اليقين والتعويل محجوب عن عين إدراكه بغياهب التقليل من التعليل . انتهى من الكتاب المذكور .
وهنا نذكر بعض المطابع الموجودة بمكة المشرفة فقط :