تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم — صفحة 340

مساهمون:

ص٣٤٠
مزارا للناس ، كما كانوا يقيمون المزارات لآل بيت النبوة عليهم وعلى جدهم الصلاة والسلام . ولقد ذكر هذه القبة ابن بطوطة في رحلته المشهورة في القرن السابع للهجرة ، ولم يذكر شيئا عن القبر ، ومن أكبر الأدلة على أن هذا القبر حادث لا محالة ما ذكره ابن جبير في رحلته التي عملها سنة ( 587 ) للهجرة قال رحمه اللّه : « وبها - بجدة - موضع فيه قبة مشيدة عتيقة يذكر أنه كان منزلا لحواء أم البشر عند توجهها إلى مكة فبني ذلك المبنى عليه تشهيرا لبركته وفضله واللّه أعلم » . انتهى من الرحلة الحجازية . ورأينا في قبر أمنا حواء بجدة واللّه تعالى أعلم بالغيب : أن وجود هذا القبر وبناء القبة عليه حادث لا محالة وأنه كذب مفتعل احتال على عمله بعض الدجالين المرتزقة لجمع الصدقات من الجهلة الذين تجوز عليهم الخرافات ، وبمرور الزمن الطويل على ذلك ولعدم إجراء تحقيق عليه صار عامة الناس يعتقدون أن في هذا القبر دفنت أمنا حواء . ونستدل على هذا بأنه لما اشتكى الناس إلى عثمان بن عفان رضي اللّه تعالى عنه الشدة التي يعانونها في ميناء الشعيبة ، لما فيها من الشعاب وطلبوا منه نقل هذا الميناء إلى جدة ، ذهب رضي اللّه عنه في جمع من الصحابة لمعاينة مكان جدة فوجده أحسن من الشعيبة فأمر بجعله ثغرا لمكة وسموه « جدة » حيث لم تكن معروفة بهذا الاسم من قبل ، ولم ينقل عنه ولا عن أحد من الصحابة عن معرفتهم لقبر حواء بجدة وعثورهم عليه ، فلو كان قبرها الطويل العريض معروفا لديهم لنقله التاريخ عنهم . نعم ذكر بعضهم أن إبليس هبط بأيلة وهبطت حواء بجدة وهبط آدم بسر نديب من أرض الهند على جبل يقال له نود ، وهو بأعلى الهند نحو الصين جبل عال يراه البحريون من مسافة أيام ، وفيه أثر قدم آدم عليه السلام مغموسة في الحجر . وهذا الكلام اللّه أعلم بصحته . وهل كانت جدة معروفة في تلك الأيام ، كلا فجدة لم تسكن إلا في زمن عثمان بن عفان رضي اللّه تعالى عنه ، فهو الذي جعلها ميناء بدلا عن الشعيبة كما هو معروف .
التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم — صفحة 340 | محمد طاهر الكردي المكي ( خطاط )