وأهل العلم ويكرّمهم ، وكان الرجل في نفسه صالحا مستقيما كريم النفس مرحا لطيفا أنيسا متواضعا عظيم الأمل في اللّه سبحانه وتعالى حسن الظن به .
والحاصل مهما أطنبنا في مدحه لا نفي بحقه ، ويكفي أنه نادرة الزمان فإنا لم نجد مثله في جميع البلاد ، فرحمه اللّه رحمة واسعة وأسكنه فسيح جنته وجزاه خير الجزاء بفضله وإحسانه فإنه تعالى لا يضيع أجر من أحسن عملا .
انظر : صورة رقم 344 ، الشيخ محمد صالح جمجوم ت 1363 ه ،
انظر : صورة رقم 345 ، الشيخ صلاح جمجوم ت 1365 ه ،
أما الرجل الثاني فهو الشيخ : محمد صالح بن علي باعشن التاجر الشهير بجدة حفظه اللّه تعالى ، هذا الرجل كبير آل باعشن ومفخرتهم بجدة ، يبلغ من العمر تسعين سنة وعلى قدر ما هو ضعيف في جسمه فهو قوي الذاكرة كبير العقل عظيم الفضل ، لقد ذهب بصره في الثلاثين من عمره تقريبا لكن اللّه عز وجل قد عوضه بتنوير بصيرته وغزارة عقله . وله مكانة عالية لدى أهل البلدة فيزورونه ويستشيرونه في كثير من المسائل ، وأنه يفض المشكلات والمنازعات التي تقع بين بعضهم وأنهم يحبونه ويسمعون كلامه لأنه خير مجرب وناصح ، ولأنه يمتاز بالوقار والتأني في عواقب الأمور ، كما يمتاز وهو في كبر سنه بأدب بالغ وحشمة عظيمة وشعور رقيق ، يعطي كل جليس ما يستحقه من الإكرام على حسب مقامه ، ويصبر على جليسه المكروه الثقيل فلا يكسر بخاطره حتى ينصرف ، وأنه على ما فيه من ضعف وكبر يحب مجالسة الناس ولا يسأم من مخالطتهم على اختلاف طبقاتهم ، ويقابل الضيف بكل بشاشة وتودد ، ويحب أن يتغدى الناس معه مهما كثروا ولو على غير ميعاد ، ومن عادته أن ينتظر ولديه كل يوم في وقت الغداء فإذا حضرا من محل تجارتهم نزلت المائدة إلى الطبقة الأولى من الدار فيأكلون مع من حضر من الضيوف سويا وهذا دأبهم يوميا ، وفي الدار محل خاص للزوار والضيوف وهو الطبقة الأولى من الدار مستقلة بجميع منافعها حتى درجتها وسلالمها فلا يتطرقها النساء مطلقا حتى يأخذ الضيف كامل راحته وحريته .
وفي مدخل الدار فسحة كبيرة اتخذت مجلسا للسمر في ليالي الصيف كما اتخذت مصلى أيضا ، لأن الشيخ محمد صالح باعشن رحمه اللّه تعالى لا يخرج عن داره لكبر سنّه فاتخذ هذا المكان مصلى له يصلي فيه الفروض مع من حضر عنده ، وفي شهر رمضان يتخذ له إماما راتبا يصلي بهم التراويح بعد صلاة العشاء ويحضر
التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم — صفحة 333
مساهمون: محمد طاهر الكردي المكي ( خطاط )
ص٣٣٣