شيخ السادة ، وسعيد العامودي ، وقاضي جدة وبقية التجار والأعيان : إنما كان ذلك منا بأمر من إبراهيم آغا القائم مقام نامق باشا . هذا ملخص استنطاقاتهم فإنها تتضمن الاعتراف بما وقع والاعتراف بأنهم تسببوا لذلك إلا أنهم أسندوا ذلك لسعيد العامودي وعبد اللّه المحتسب والقائم مقام نامق باشا . وكان نامق باشا وهو بجدة يرسل إليهم سرا ويقول لهم : الحذر أن تقروا بشيء من ذلك فإنه يصير عليكم ضرر كثير ، فلم يمتثلوا ذلك بل أقروا بذلك وسببه أن المرخصين الذين حضروا من الدولة والإنكليز والفرنسيس كانوا يتلطفون بهم ويعظمونهم ويحتالون عليهم بكل حيلة ويقولون لهم : أخبرونا بالواقع ولا يحصل لكم ضرر ، ويسألون كل واحد وحده فإذا نطق بشيء مخالف للواقع يقولون له : إن فلانا وفلانا أخبرا بما هو كذا وكذا ، وذلك يخالف ما تقول ولا يزالون به حتى يطابق كلامه كلام غيره .
فلما انتهت الأسانيد كلها إلى إبراهيم آغا القائم مقام نامق باشا أحضروه وسألوه فأنكر جميع ما نسبوه له وكذبهم ولم يقر بشيء ، فاحتالوا عليه بكل حيلة فلم يقر بشيء ، فحبسوه في موضع وحده ثم حكموا عليه بالنفي مؤبدا ، ثم بحثوا أيضا عن الأشخاص الذين حصل منهم القتل والنهب فعرفوهم وحبسوهم ، ثم تشاور هؤلاء المرخصون المرسلون من الدولة العلية ومن الإنكليز والفرنسيس فيما بينهم ، واتفقوا على أنه يقتل عبد اللّه المحتسب وسعيد العامودي ونحو اثني عشر نفسا من عوام الناس الذين وقع منهم القتل ، وأنه ينفى من جدة شيخ السادة وقاضي جدة وبعض التجار بعضهم مؤبدا وبعضهم إلى مدة مؤقتة ويحبس كثير من الذين وقع منهم النهب بعد أن أحضروا كثيرا مما أخذوه ، وأن ما بقي من الأموال المنهوبة يأخذون قيمته من الدولة العلية . فلما تم قرار مجلسهم على ذلك كتبوا به مضبطة وختموها بأختامهم وأعطوها لنامق باشا وطلبوا منه تنفيذ ذلك على ما جاؤوه به من الأمر بالدولة فإنهم جاؤوه بأوامر فيها الأمر له بتنفيذ ما يتفقون عليه فنفذه فأخرجوا عبد اللّه المحتسب وسعيد العامودي من الحبس فقتلوهما في سوق جدة على رؤوس الأشهاد وقتلوا الاثني عشر الذين من عوام الناس خارج جدة .
وكان ذلك اليوم يوما مهولا في جدة اشتد فيه الكرب على جميع المسلمين ، ثم نفوا من حكموا عليه بالنفي ، فمنهم من قضى السنين التي وقتوها له ورجعوا إلى جدة ، ومنهم من مات ولم يرجع إليها . فمن الذين رجعوا : الشيخ عبد القادر
التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم — صفحة 314
مساهمون: محمد طاهر الكردي المكي ( خطاط )
ص٣١٤