تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم — صفحة 312

مساهمون:

ص٣١٢
عظيمة قتلوا فيها غيره من القناصل الموجودين ومن كان بجدة من النصارى ونهبوا أموالهم وأرادوا أن يقتلوا فرج يسر أحد التجار المشهورين بجدة ، لكونه كان محاميا عن قنصل الإنكليز ومعدودا من رعيتهم فاختفى ، فأراد عوام الناس أن ينهبوا داره فمنعهم من ذلك عبد اللّه نصيف وكيل مولانا الشريف محمد بن عون بجدة . وكان نامق باشا بمكة والشريف علي باشا القائم مقام الإمارة كان قد توجه إلى المدينة المنورة لمقابلة الحج ، فلما جاء خبر هذه الفتنة لنامق باشا اهتم لذلك ، ثم توجه إلى جدة وسكّن الفتنة ، وقبض على بعض الناس الذين نسب لهم القتل والنهب ووضعهم في السجن وأرسل إلى الدولة العلية يخبرهم بما وقع في هذه الفتنة ، وطلع إلى مكة لأداء الحج ، فلما كان الثالث من أيام التشريق والناس بمنى جاء الخبر من جدة بأنه جاءهم مركب حربي للإنكليز وصار يرمي بالمدافع المحشوة بالقلل على جدة ، فخرج كثير من الناس من جدة هاربين بنسائهم وأولادهم وأموالهم ركبانا ومشاة ، فانزعج الناس من ذلك انزعاجا شديدا . فلما فرغ الناس من أداء مناسك الحج ونزلوا من منى عقد نامق باشا في مكة مجلسا في ديوان الحكومة أحضر فيه كثيرا من العلماء والتجار وأعيان الناس ، وأحضر كثيرا من تجار جدة الذين قدموا مكة لأداء الحج وكانوا حضروا وقوع الفتنة حين وقعت بجدة ، وأخبرهم بمجيء المركب الحربي الذي جاء من الإنكليز وبضربه القلل على جدة ، وبخروج كثير من الناس منها . وقال لهم : القصد المشاورة معكم فيما يحصل به تسكين هذا الأمر ، فقال كثير من الحاضرين : إن الإسلام والحمد للّه قوي وأهله كثيرون ، وذكروا له عدد قبائل الحجاز مثل هذيل وثقيف وحرب وغامد وزهران وعسير وأنكم لو تعطون الناس رخصة ينفرون نفيرا عاما فيجتمع من ذلك الألوف بل اللكوك فيدفعون تعدي الإنكليز ولا يرضون أن يقع عليهم هذا الذل . فقال لهم نامق باشا : هذا العدد الذي ذكرتموه لقبائل العرب صحيح ، بل يوجد مثله أضعافا مضاعفة ، لكن إذا اجتمعت هذه القبائل غاية ما يقدرون عليه أنهم يصلون إلى مكة وجدة ، وبعد ذلك يدفعون هذا المركب عن جدة فيحصل من الإنكليز وغيرهم من النصارى تسلط على بقية مدائن الإسلام ، لأنه ليس عندهم مراكب يعبرون فيها ولا ذخائر ولا جبخانات ولا مدافع ولا شيء مما يحتاجون إليه ، وأيضا مرادنا دفع هذا الضرر الآن ، ولا يجتمع هؤلاء القبائل إلا بعد مدة طويلة ، فلا بد من التدبير الآن في دفع هذا الضرر بالسرعة .