فقال بعض التجار الحاضرين : يأذن أفندينا في تغريق هذا المركب الذي جاء يرمي بالمدافع المشحونة بالقلل على جدة فإن كثيرا من أهل البحر الموجودين تحت أيدينا لهم معرفة وصناعة بتغريق المراكب يأتونها من تحت الماء ، ويغرقونها ببرامات يجعلونها في المراكب ؟
فقال لهم : ليس هذا صوابا فإنكم إذا أغرقتم مركبا يأتيكم بعده عشرة مراكب ، فإذا أغرقتم العشرة يأتيكم مائة وهكذا فيتسلسل الأمر ولا يزول الضرر وأيضا ربما يتركون جدة ويتوجهون إلى إضرار بقية مدائن الإسلام ، وإنما الأحسن في تدبير هذا الأمر أن نتداركه باللطف وحسن السياسة بأن نتوجه إلى جدة أنا وكثير من أعيانكم ونجتمع بقبطان هذا المركب ونعقد معه أمرا يندفع به الضرر فاستحسنوا رأيه ، فتوجهوا إلى جدة وأخذوا معه رئيس العلماء الشيخ جمال ومعه من العلماء الشيخ صديق كمال ، والشيخ إبراهيم ألفته ، والشيخ محمد جاد اللّه ، وشيخ السادة السيد محمد بن إسحاق بن عقيل ، وتجار جدة الذين كانوا جاءوا للحج ، فلما وصلوا إلى جدة صار اجتماعهم بالقبطان المذكور وعقدوا مجلسا صار القرار فيه على أنه يصير تحقيق هذه القضية ويحصل الانتقام ممن وقع التعدي في هذه الفتنة ويكون ذلك بعد رفع الأمر إلى الدولة العلية وانتظار الجواب منها بما يأمرون به . ورضي الجميع بذلك وكتبوا به مضبطة وختموها بأختامهم ، فلما كان أواخر شهر محرم من سنة خمس وسبعين وصل إلى جدة مأمورون من طرف الدولة ومعهم أناس من كبار الإنكليز والفرنسيين ، وكان نامق باشا بجدة فعقدوا مجلسا معه واتفقوا على أنهم يحضرون المتهمين في إحداث هذه الفتنة ويقررونهم ويستنطقونهم كل واحد وحده حتى يقفوا على حقيقة الأمر ويعرفوا الذين قتلوا والذين هجموا . فلما تم قرارهم على ذلك صاروا يعقدون مجالس لا يحضر فيها نامق باشا ، وإنما يحضر هؤلاء المرخصون الذين جاءوا مرسلين من الدولة ومن الإنكليز والفرنسيين ، وصاروا يقبضون على كل من صارت عليه تهمة ويحبسونه في موضع لوحده ثم يحضرون كل واحد منهم وحده ويسألونه ويستنطقونه بغاية التلطف والتعظيم والتبجيل ويحتالون عليهم بكل حيلة ويكتبون كل ما يقول .
فكان ملخص تلك الاستنطاقات أن أهل جدة الذين هاجوا في الفتنة وحصل منهم القتل والنهب قالوا : إنما كان ذلك منا بأمر من التجار وقاضي جدة الشيخ عبد القادر شيخ والأعيان وسموا أناسا منهم ، وقال الحضارم : أمرنا بذلك شيخ السادة السيد عبد اللّه باهارون ، وكبير الحضارم الشيخ سعيد العامودي . وقال
التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم — صفحة 313
مساهمون: محمد طاهر الكردي المكي ( خطاط )
ص٣١٣