تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم — صفحة 279

مساهمون:

ص٢٧٩
وسئل عمر يوما ما يبكيك ؟ فقال : « تلومني أن أبكي ، ولو أن سخلة هلكت على شاطئ الفرات لأخذ بها عمر يوم القيامة » . كان عمر يناجي ربه ويدعوه فيقول : « اللهم إن لم أكن أهلا أن أبلغ رحمتك فإن رحمتك أهل أن تبلغني ، فإن رحمتك وسعت كل شيء ، وأنا شيء فلتسعني رحمتك يا أرحم الراحمين » . وكان رحمه اللّه يقول : « اللهم إني أطعتك في أحب الأشياء إليك وهو التوحيد ولم أعصك في أبغض الأشياء إليك وهو الشرك ، فاغفر لي ما بينهما » . وكان يدعو : « اللهم رضني بقضائك ، وبارك لي في قدرك حتى لا أحب تعجيل شيء أخرته ، ولا تأخير شيء عجلته » . خطب الناس فقال : « أحمد اللّه وأثني عليه » ثم قال : « أيها الناس إنكم لم تخلقوا عبثا ، ولم تتركوا سدى ، وإن لكم معادا يحكم اللّه بينكم فيه ، فخاب وخسر من خرج من رحمة اللّه التي وسعت كل شيء وحرم جنة عرضها السماوات والأرض ، واعلموا أن الأمان غدا لمن يخاف اليوم وباع قليلا بكثير وفانيا بباق ، ثم إنكم في كل يوم تشيعون غاديا ورائحا إلى اللّه قد قضى نحبه وبلغ أجله ، ثم تغيبونه في صدع من الأرض ثم تدعونه غير موسد ولا ممهد ، قد خلع الأسباب ، وفارق الأحباب ، وسكن التراب ، وواجه الحساب ، غنيا عما ترك ، فقيرا إلى ما قدم ، وأيم اللّه إني لأقول لكم هذه القالة وما أعلم عند أحد منكم من الذنوب أكثر مما عندي ، فأستغفر اللّه لي ولكم وما تبلغنا حاجة يتسع لها ما عندنا إلا سددناها ، ولا أحد منكم إلا وددت أن يده مع يدي حتى يستوي عيشنا وعيشكم . . . » . ثم بكى فتلقى دموع عينيه بردائه ونزل . وكانت هذه آخر خطبة له في السنة الأولى الهجرية بعد المائة . وتضاربت الأقوال في موت عمر : فقيل إن بني أمية عاجلوه ، لأنه لا يعهد بعهده إلا لمن يصلح الأمر ، وقيل إن مولاه دس له سما في طعام أو شراب لقاء ألف دينار فمرض وأخبر أنه مسموم ، ثم استدعى مولاه وقال له « ما حملك على ما صنعت » ؟ قال : « ألف دينار » فقال : « هاتها » ، فأحضرها ووضعها عمر في بيت المال وقال لمولاه : « اذهب فلا يراك أحد » . قال سفيان الثوري : الخلفاء خمسة : « أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وعمر بن عبد العزيز ، رضي اللّه عنهم » .