سألت من الوصاة إليك أو إلى نظرائك من أهل بيتي فإن وصيتي بهم إلى اللّه الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين . وإنما بنو عمر أحد رجلين ، رجل اتقى اللّه فجعل اللّه له من أمره يسرا ، ورزقه من حيث لا يحتسب ، ورجل غير وفجر فلا يكون عمر أول من أعانه على ارتكابه . . . » قال مسلمة : « فما احتاج أحد من أولاد عمر ولا افتقر » .
كان رحمه اللّه فيه رقة وأدب ، قال رجاء بن حيوة لعبد العزيز بن عمر : « ما رأيت أكرم أدبا وأكرم عشرة من أبيك . سمرت عنده ليلة فبينا نحن كذلك إذ عشى المصباح ونام الغلام ، فقلت : يا أمير المؤمنين قد عشى المصباح ونام الغلام فلو أذنت لي أصلحته » فقال : « ليس من مروءة الرجل أن يستخدم ضيفه » ، ثم حط رداءه عن منكبيه وصب الزيت في المصباح وأشخص الفتيلة ، ثم رجع وأخذ رداءه وقال : « وما ضرني قمت وأنا عمر ورجعت وأنا عمر » .
ودخل رجل عليه يعوده في مرضه فسأله عن علته فلما أخبره قال : « من هذه العلة مات فلان وفلان » ، فقال له عمر : « يا أخي إذا عدت المرضى فلا تنع إليهم الموتى ، وإذا خرجت من عندنا فلا تعد إلينا » . وكان عمر إذا بدا له أن ينفرد بنفسه وأراد أن يقيم الناس الذين عنده ، قال : « نعم إذا شئتم ، رحمكم اللّه » .
كان عمر صابرا ، لم يجد الجزع إلى قلبه سبيلا : لما احتضر ابنه عبد الملك قال له : « كيف تجدك يا بني ؟ » قال « أجدني في الموت فاحتسبني ، فإن ثواب اللّه خير لك مني » فقال عمر : « واللّه يا بني لأن تكون في ميزاني أحب إليّ من أن أكون في ميزانك » فقال عبد الملك : « وأنا واللّه لأن يكون ما يحب أحب إليّ من أن يكون ما أحب » . ولما وقف على قبره قال : « رحمك اللّه يا بني فلقد كنت سارا مولودا ، بارا ناشئا » .
كان عمر يعتصم بالكتاب والسنة : قال : « سن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وولاة الأمور من بعده سننا الأخذ بها اعتصام بكتاب اللّه ، وقوة على دين اللّه ، ليس لأحد تبديلها ولا تغييرها ، ولا النظر في أمر خالفها ، فمن اهتدى بها فهو مهتد ، ومن استنصر بها فهو منصور ، ومن تركها واتبع غير سبيل المؤمنين ولاه اللّه ما تولى وأصلاه جهنم وساءت مصيرا » ، وقال : « إنه ليس بعد نبيكم نبي ، وليس بعد الكتاب الذي أنزل عليكم كتاب ، فما أحل اللّه على لسان نبيه فهو حلال إلى يوم القيامة ، وما حرم اللّه على لسان نبيه فهو حرام إلى يوم القيامة ، ألا إني لست
التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم — صفحة 277
مساهمون: محمد طاهر الكردي المكي ( خطاط )
ص٢٧٧