بقاض وإنما أنا منفذ ، ولست بمبتدع ولكني متبع ، لست بخيركم وإنما أنا رجل منكم ، ألا وإني أثقلكم حملا وإن أفضل العبادة أداء الفرائض واجتناب المحارم » .
كان عمر يرجع إلى الحق ويذعن له : دخل عليه ابنه عبد الملك وهو ينام نومة الضحى فقال : « يا أبت ، أتنام وأصحاب الحوائج ببابك ؟ » قال : « يا بني إن نفسي مطيتي ، فإن أضنيتها قطعتها ، ومن قطع المطي لم يبلغ الحاجة » . وذهب عمر يتبوأ مقيلا فأتاه ابنه فقال : « يا أمير المؤمنين ، ماذا تريد أن تصنع » ؟ قال :
« أي بني أقيل » قال : « تقيل ولا ترد المظالم ؟ » قال : « فإذا صليت الظهر رددت المظالم » قال : « يا أمير المؤمنين ، من لك أن تعيش إلى الظهر ؟ » قال : « إدن مني يا بني » فدنا منه فالتزمه وقبله بين عينيه وقال : « الحمد للّه الذي أخرج من صلبي من يعينني على ديني » وخرج ولم يقل ، وجلس لرد المظالم .
كان عمر متواضعا يقول لجليسه : « إذا رأيتني قد ملت عن الحق فضع يدك في تلابيبي ، ثم هزني ثم قل لي : ماذا تصنع ؟ » ولما استخلف قال : « انظروا رجلين من أفضل من تجدون » فجيء برجلين ، فكان إذا جلس مجلس الإمارة أمر فألقى لهما وسادة قبالته ، فقال لهما : « إنه مجلس شر وفتنة ، فلا يكن لكما عمل إلا النظر إليّ فإذا رأيتما مني شيئا لا يوافق الحق فخوفاني وذكراني اللّه عز وجل » . وأطرى رجل عمر في وجهه فقال عمر : « لو عرفت من نفسي ما أعرف عنها ما نظرت في وجهي » .
كان عمر متعبدا ويخاف اللّه ويخشى عذابه ، قالت فاطمة زوج عمر : « قد يكون في الناس من هو أكثر صلاة وصياما من عمر ، وما رأيت أحدا قط كان أشد فرقا وخوفا منه » وقال أحد الصالحين : « ما رأيت أحدا ، كان الخوف على وجهه أبين منه على وجه عمر ، وما رأيت أخوف من الحسن وعمر ، كأن النار لم تخلق إلا لهما » .
وكتب الحسن إلى عمر : « يا أمير المؤمنين لو أن لك عمر نوح وملك سليمان ويقين إبراهيم وحكمة لقمان ما كان لك بد أن تقتحم العقبة ومن وراء العقبة الجنة والنار ، من أخطأته هذه دخل هذه » . فلما أتاه الكتاب أخذه فوضعه على عينيه ثم بكى وقال : « من لي بعمر نوح ويقين إبراهيم وسلطان سليمان وحكمة لقمان ولو نلت ذلك لم يكن بد من أن أشرب بكأس الأولين » .
التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم — صفحة 278
مساهمون: محمد طاهر الكردي المكي ( خطاط )
ص٢٧٨