تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم — صفحة 275

مساهمون:

ص٢٧٥
وأتى أعرابي إلى عمر فقال : « رجل من البادية ، ساقته إليك الحاجة ، وبلغت به الغاية ، واللّه سائلك عن مقامي هذا بين يديك » فقال عمر : « ما سمعت أبلغ من قائل ولا أوعظ لمقول له من كلامك هذا » وقضى حاجته . وكتب عمر إلى عامله على العراق « إذا أمكنتك القدرة على المخلوق فاذكر قدرة الخالق القادر عليك ، واعلم أن ما لك عند اللّه أكبر مما لك عند الناس » . كان عمر واسع الصدر حليما ، يقيل العثرة ، ويتغاضى عن الهفوة ، أسمعه رجل بعض ما يكره ، فقال عمر : « لا عليك إنما أردت أن يستفزني الشيطان بعزة السلطان فأنال منك اليوم ما تناله مني غدا ، انصرف إذا شئت » . وكان لعمر غلام يقال له درهم فسأله : « ما يقول الناس يا درهم ؟ » قال : « الناس كلهم بخير إلا أنا وأنت » قال : « وكيف ذلك ؟ قال : إني عهدتك قبل الخلافة عطرا ، كباسا ، فاره المركب ، طيب الطعام ، فلما وليت رجوت أن أستريح فزاد عملي شدة وصرت أنت في بلاء » قال : « فأنت حر فاذهب عني ودعني وما أنا فيه حتى يجعل اللّه لي منه مخرجا » . وخرج عمر ليلة ومعه حرسي فدخل المسجد فمر في الظلمة برجل نائم فعثر به فرفع رأسه إليه وقال : « أمجنون أنت » ؟ قال : « لا » فهمّ به الحرسي فقال له عمر : « إنما سألني أمجنون أنت ، فقلت لا » . كان عمر متفقها في الدين ، يحب الوعظ ويتقبله ، قال مجاهد : « أتينا عمر نعلمه ، فما برحنا حتى تعلمنا منه » ، وقال ميمون بن مهران : كانت العلماء عند عمر تلاميذ ، وهو معلم العلماء » . وعن أنس بن مالك ، خادم رسول اللّه قال : « ما صليت وراء إمام بعد رسول اللّه أشبه صلاة بصلاة الرسول من هذا الفتى حين كان على المدينة ، كان يتم الركوع والسجود ، ويخفف القيام والقراءة » . وقال عمر : « إن اللّه فرض فرائض وسن سننا من أخذ بها لحق ، ومن تركها محق ومن أراد أن يصحبنا فليصحبنا بخمس : يوصل إلينا حاجة من لا تصل إلينا حاجته ، ويدلنا من العدل إلى ما لا نهتدي إليه ، ويكون عونا لنا على الحق ، ويؤدي الأمانة إلينا وإلى الناس ، ولا يغتاب عندنا أحدا ، ومن لم يفعل ذلك فهو في حرج من صحبتنا والدخول علينا » .
التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم — صفحة 275 | محمد طاهر الكردي المكي ( خطاط )