تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم — صفحة 274

مساهمون:

ص٢٧٤
بهذه النزاهة والصيانة والورع والزهد استفتح عمر بن عبد العزيز ولايته أمر المسلمين سنة تسع وتسعين هجرية . ولد بحلوان مصر سنة إحدى وستين للهجرة ، وما إن وليّ الخلافة حتى أدرك أعباءها فقال : « يا ليت بيننا وبين الخلافة بعد المشرقين » وقال : « إني نظرت فوجدتني قد وليت أمر هذه الأمة صغيرها وكبيرها ، أسودها وأحمرها ، ثم ذكرت الفقير الجائع ، والمريض الضائع ، والعاني المجهود ، والمظلوم المقهور ، والغريب الأسير ، والشيخ الكبير ، وذا المال القليل والعيال الكثير ، وهم في أقطار الأرض وأطراف البلاد وعلمت أن اللّه سائلي عنهم ، وأن رسول اللّه حجيجي فيهم ، فخفت ألا يثبت لي عند اللّه عذر ، ولا تقوم لي مع رسوله حجة ، فرحمت واللّه نفسي رحمة دمعت لها عيني ، ووجع لها قلبي ، وكلما ازددت لها ذكرا ازددت منها خوفا » وقال : « إنه ليس من أمة محمد في مشرق ولا مغرب أحد إلا له قبلي حق يحق عليّ أداؤه غير كاتب إلي فيه ولا طالبه مني » . استهل رحمه اللّه خلافته بدستوره : « من أطاع اللّه وجبت طاعته ، ومن عصى اللّه فلا طاعة له ، أطيعوني ما أطعت اللّه ، فإذا عصيت اللّه فلا طاعة لي عليكم » . كان عمر محبا للعدل ، لا يرى أفضل منه ، كتب إلى عامله يقول : « الأمور ثلاثة : أمر استبان رشده فاتبعه ، وأمر استبان ضره فاجتنبه ، وأمر أشكل عليك فرده إلى اللّه » وقال : « الأكباد الجائعة أولى بالصدقات من البيت الحرام » . وكتب إليه أحد ولاته : « أما بعد ، أصلح اللّه أمير المؤمنين ، فإن قبلي أناسا من العمال قد اقتطعوا من اللّه عز وجل مالا عظيما لست أقدر على استخراجه من أيديهم إلا أن أمسسهم بشيء من العذاب فإن رأى أمير المؤمنين أصلحه اللّه أن يأذن لي في ذلك أفعل » . فكتب إليه عمر : « أما بعد ، فالعجب كل العجب من استئذانك إياي في عذاب البشر كأني لك جنة من عذاب اللّه وكأن رضائي عنك ينجيك من سخط اللّه عز وجل فانظر من قامت عليه بينة عدول فخذه بما قامت عليه به البينة ، ومن أقر لك بشيء فخذه بما أقر به ومن أنكر فاستحلفه باللّه العظيم وخل سبيله وأيم اللّه لأن يلقوا اللّه بخياناتهم أحب إليّ من ألقى اللّه بدمائهم والسلام » .