وهكذا لم ينفض المجلس الأول إلا وقد أجرى عمر على نفسه وآل بيته حركة تطهير متسعة النطاق ، وفّر بها لبيت مال المسلمين ما كان يجري لقصر الخلافة وأقارب الخليفة وحراسه وشرطته من أرزاق وعطايا . وشاع أمر هذه الحركة المباركة وهذه الأحكام العادلة التي أصدرها عمر بن عبد العزيز في الناس ، فغير ولاة الأقاليم سلوكهم وأقبلوا على التقشف والإعراض عن التبذير ، وتوفير الأموال للفتح والصالح العام .
وناهيك بما رواه عمر بن أسيد من أن عمر بن عبد العزيز لم يمت حتى جعل الرجل يأتينا بالمال العظيم فيقول : اجعلوا هذا حيث ترون فما يبرح حتى يرجع بماله كله . وقد أغنى عمر الناس .
وهذه الشهادة الخطيرة من هذا الرجل العظيم تدل على نمو الثروة العامة والثروة الخاصة بفضل ما اتخذه الخليفة من التدابير وما منعه من وسائل التبديد والتبذير . فقد زادت مدخرات المواطنين على حاجاتهم وظلوا يعرضون الأموال العريضة على بيت المال وعلى مصارف الجمهور ما لا تتسع هذه وتلك لقبولها .
وبينما يعرض المواطنون ثرواتهم العريضة على الدولة كان الخليفة صاحب الأمر والنهي كما يرويه عون ابن المعمر يدخل على امرأته فيقول : يا فاطمة « عندك درهم أشتري به عنبا ؟ فتقول : لا ، وأنت أمير المؤمنين لا تقدر على درهم تشتري به عنبا ؟ قال : هذا أهون علينا من معالجة الأغلال غدا في جهنم » .
ويدخل غلامه أبو أمية فتقدم له مولاته غداءه عدسا ويقول لها : كل يوم عدس يا أماه . . . ؛ فتقول : يا بني هذا طعام مولاك أمير المؤمنين .
ويجتمع بنو مروان إلى باب الخليفة ويقولون لابنه عبد الملك : قل لأبيك أن من كان قبله من الخلفاء كان يعطينا ويعرف لنا مواضعنا ، وإن أباك قد حرمنا ما في يديه ، فدخل على أبيه فأخبره فقال لهم : إن أبي يقول لكم : « إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم » .
أفلا يحق للتاريخ الإنساني أن يسجل للعدل الإسلامي والطهارة في الحكم والتجرد في السلوك هذه السير اللامعة والأمثلة الرفيعة ؟
ثم أفلا يحق للمسلمين أن يفاخروا الأمم والشعوب بعمر بن عبد العزيز وأمثال عمر بن عبد العزيز في الاستقامة والإنصاف وحسن الإدارة ؟ . . .
التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم — صفحة 272
مساهمون: محمد طاهر الكردي المكي ( خطاط )
ص٢٧٢