لقد ورث عمر بن عبد العزيز إمبراطورية لا تغيب عن ممالكها الشمس ، ولقد تهيأ له من البذخ والرفاهية وأبهة الملك ما أبدع عبد الملك بن مروان وأبناؤه :
الوليد وهشام وسليمان في إعداده وتنميقه ، ولكنه عزف عن كل ذلك ورجع بالأمة إلى البساطة الأولى شأنها على عهد أبي بكر وعمر وعثمان وعلي مع الاحتفاظ بصولة الدولة ، وقوة الجيش ، وطهارة الإدارة الحكيمة ، ونقاوة النفوس ، ونبذ أسباب الخلاف . وكان يعطي المثل من نفسه ، فيأمر بإطفاء المصابيح التي تسرج من ميزان الدولة بعد أن يفرغ من تصريف شؤون الناس ، ويوقد مصباح بيته الخافت الأضواء هربا من أن يسرف في استعمال ما هو مرصود للمصالح العامة لحساب منفعته الخاصة .
والحق أن سلوك عمر بن عبد العزيز يجب أن يتخذ دستورا أمميا في التصرف الإداري ، والعدل في أموال الرعية ، وحمل رؤساء الجيوش والمصالح العامة على نبذ البطر والتبذير . انتهى من الكتاب المذكور .
بعض شمائل أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز رضي اللّه عنه
جاء في الجزء الثالث من كتاب « المطالعة الوافية » شيء من ترجمة وحياة أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز رضي اللّه تعالى عنه الذي يلحقه بعض الأئمة بالخلفاء الراشدين ما يأتي :
عهد سليمان بن عبد الملك بالخلافة إلى عمر بن عبد العزيز الرجل الصالح كما نعته في عهده ووصيته فاستفتح ولايته برد المظالم وقال : « لا أبدأ بأولى من نفسي » فنظر إلى ما في يديه من أرض أو متاع فخرج منها ، وباع أموال سليمان ورباعه وكسوته وجميع ما كان يملكه .
ودخل على زوجه فاطمة بنت عبد الملك فأخذ منها الثوب النفيس الذي كان قد عمله لها أبوها منسوجا بالذهب ، منظوما بالدر والياقوت وقال لها : « إن اخترتني فإني آخذ الثوب فأجعله في بيت مال المسلمين وإن اخترت الثوب فلست لك بصاحب » فقالت : « أعوذ باللّه يا أمير المؤمنين من فراقك ، بل أختارك عليه وعلى أضعافه لو كان لي ، لا حاجة لي بالثوب فخذه إلى بيت المال » . ودخل عليه ابن له وعليه قميص قد تقطع فقال : « رقع قميصك يا بني ، فو اللّه ما كنت قط بأحوج إليه منك اليوم » .