يبسط رداءه حتى أقضي مقالتي إلخ . حديث المتن بلفظه ، ولما تبرز على غيره من الصحابة استعظم الصحابة ذلك أولا ، واختبروه مرارا فما وجدوه روى حديثا إلا وجدوا له ما يصدقه من شهادة صحابي آخر أو وفاق ظاهر آية ، فاعترفوا له بالحفظ وفهموا ظهور معجزة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فيه ، حيث قال : من يبسط رداءه حتى أقضي مقالتي ثم يقبضه ، وفي رواية يجمعه ، فلن ينسى شيئا سمعه مني ، ثم رجع له بعد النزاع من خالفه منهم لوجود من يشهد له من الصحابة على ما رواه ، فمن ذلك ما أخرجه مسلم في صحيحه بإسناده عن عامر بن سعد بن أبي وقاص أنه كان قاعدا عند عبد اللّه بن عمر إذ طلع خباب صاحب المقصورة فقال :
يا عبد اللّه بن عمر ألا تسمع ما يقول أبو هريرة أنه سمع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول : من خرج مع جنازة من بيتها وصلى عليها ثم تبعها حتى تدفن كان له قيراطان من أجر كل قيراط مثل أحد ، ومن صلى عليها ثم رجع كان له من الأجر مثل أحد ، فأرسل ابن عمر خبابا إلى عائشة يسألها عن قول أبي هريرة ثم يرجع إليه فيخبره ما قالت . وأخذ ابن عمر قبضة من حصباء المسجد يقلبها في يده حتى رجع إليه الرسول فقال : قالت عائشة : صدق أبو هريرة . فضرب ابن عمر بالحصى الذي كان في يده الأرض ثم قال : لقد فرطنا في قراريط كثيرة . اه فحسبك برجوع ابن عمر له مع كثرة حفظه وشدة احتياطه ، فلما شهدت له عائشة رضي اللّه عنها رجع له واعترف بتفوقه عليه في الحفظ وقال : لقد فرطنا في قراريط كثيرة ، وقد ورد أنه كان بعد ذلك لا يترك العمل بمقتضى حديث أبي هريرة هذا . فبهذا كله يعلم ضرورة أنه لا وجه للتعجب من كثرة رواية أبي هريرة مع قلة مدة صحبته ، لأنه أسلم حين قسم غنائم خيبر ، وكثير من الصحابة كان أقدم منه صحبة ، لأن حفظه كان بسبب دعاء النبي صلى اللّه عليه وسلم له به كما تقدم ، وذلك يرجع لمعجزة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كما مر ، وحينئذ فلا غرابة فيه ولا استبعاد عند المؤمنين ، وقولي في المتن واللفظ له أي للبخاري : وأما مسلم فلفظه : من يبسط ثوبه فلن ينسى شيئا سمعه مني ، فبسطت ثوبي حتى قضى حديثه ، ثم ضممته إلي فما نسيت شيئا سمعته منه .
ولنتبرك بذكر شيء من ترجمة أبي هريرة الذي ورد هذا الحديث في فضله وبيان حفظه للسنة فأقول : قال الأبي : قال القرطبي : اختلف في اسمه واسم أبيه اختلافا كثيرا بلغ إلى ثمانية عشر قولا وأشبه ما فيها أن يقال : كان له في الجاهلية
التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم — صفحة 265
مساهمون: محمد طاهر الكردي المكي ( خطاط )
ص٢٦٥