* ومن عاداتهم أنهم كانوا فيما مضى من الزمان ، أي قبل سنة ( 1350 ) ألف وثلاثمائة وخمسين هجرية يكثرون من أكل السمن الجيد العال حتى إن الشخص الواحد إذا اشترى الفول المدمس صباحا لنفسه فقط يضع فوقه ثمن أقة من السمن البلدي الجيد ، وثمن الأقة يساوي خمسين درهما وكانوا في بيوتهم يطبخون أنواع الأطعمة كل يوم فإذا طبخوا أكثروا في طبخهم من السمن الجيد العال بل لقد كان بعضهم إذا اقتنى حمارا أصيلا يطعمه التمر في كل أسبوع مرة ويسقيه أقة من السمن الجيد في كل شهر مرة .
لقد كان السمن الجيد العال متوفرا بكثرة في مكة المكرمة يأتي إليها من أطرافها ، وكانت محلة المدّعى تمتلئ بقرب السمن البلدي الجيد وما كانوا يعرفون السمن الصناعي قط .
ثم من بعد السنة المذكورة ارتفعت قيمة السمن وذهب الرخص وجاء الغلاء شيئا فشيئا فصار يأتي السمن الصناعي وغيره من خارج بلادنا ، إننا نتذكر أن أقة السمن البلدي الجيد كانت قيمتها في سنة ( 1335 ) ألف وثلاثمائة وخمس وثلاثين هجرية بعشرة قروش أي بنصف ريال ، والآن ونحن في سنة ( 1385 ) ألف وثلاثمائة وخمس وثمانين هجرية بلغ قيمة السمن البلدي خمسة عشر ريالا ، ومن النادر أن يجد الإنسان عندنا سمنا جيدا خالصا وصار اليوم جميع الناس يستعملون السمن الصناعي . فسبحان الكبير المتعال مغيّر الحال والأحوال .
* ومن عاداتهم أنهم يشربون الشاهي ، أي الشاي بكثرة ليلا ونهارا وذلك من قديم الزمن ، والاجتماعات إذا لم يشرب فيها الشاهي لا تكون ذات رونق وبهجة وجميع دوائر الحكومة والمدارس يكون فيها الشاهي . ولهم عناية تامة بأدوات الشاهي كالسموار والبراد ، بتشديد الراء ، والفناجين والتباسي والملاعق وعلب السكر والشاي وبعضهم يعمل لهذه الأدوات دولابا خاصا وكرسيا خاصا مزينا بالنقوش . وشرب الشاي عادة شائعة في بلاد الحجاز كلها خصوصا بمكة وجدة والمدينة حتى قال بعض شعرائها وهو الشيخ أحمد بن أمين بيت المال المكي رحمه اللّه تعالى :
إذا زار من تهواه يوما مودّة * وقد أيقنت بالودّ منك نفوسه
فإن رمت أن تحظى بلطف حديثه * وبادرت بالشاهي يطول جلوسه
وإن تسقه الشربات يا صاح إنه * يقوم إذا دارت عليه كؤوسه