لما غلبت خزاعة جرهما ونفتهم عن مكة ومن ضمنهم مضاض بن عمرو بن الحارث ملك جرهم والمطاع فيهم ، مع أنه كان يعظهم ويحذرهم عاقبة البغي في الحرم ، أرسل إلى خزاعة يستأذنها في دخول مكة والنزول في جوارهم وقد كان اعتزل الحرب التي وقعت بينها وبين جرهم ، فلم تأذن خزاعة له أن يدخل مكة ، فانطلق مضاض بن عمرو نحو اليمن إلى أهله وهم يتذاكرون ما حال بينهم وبين مكة ، وما فارقوا من أمتها وملكها ، فحزنوا على ذلك حزنا شديدا ، فبكوا على مكة ، وجعلوا يقولون الأشعار في مكة ، فمما قاله في ذلك قصيدة أولها :
كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا * أنيس ولم يسمر بمكة سامر
إلى أن قال بعد أحد عشر بيتا :
وصرنا أحاديثا وكنا بغبطة * كذلك عضتنا السنون الغوابر
فسحت دموع العين تبكي لبلدة * بها حرم آمن وفيها المشاعر
بواد أنيس ليس يؤذي حمامه * ولا منفرا يوما وفيها العصافر
وفيها وحوش لا ترام أنيسة * إذا خرجت منها فما أن تغادر
فياليت شعري هل تعمر بعدنا * جياد فممضى سيله فالظواهر
فبطن منى وحش كأن لم يسر به * مضاض ومن حبى عدي عماير
ومما قاله أيضا :
يا أيها الحي سيروا إن قصركم * أن تصبحوا ذات يوم لا تسيرونا
إنا كما كنتموا كنا فغيرنا * دهر فسوف كما صرنا تصيرونا
حثو المطي وأرخوا من أزمتها * قبل الممات وقضوا ما تقضونا
قد مال دهر علينا ثم أهلكنا * بالبغي فيه وبر الناس ناسونا
إن التفكر لا يجدي بصاحبه * عند البديهة في علم له دونا
قضوا أمور كموا بالحزم إن لها * أمور رشد رشدتم ثم مسنونا
واستخبروا في صنيع الناس قبلكم * كما استبان طريق عنده الهونا
كنا زمانا ملوك الناس قبلكم * بمسكن في حرام اللّه مسكونا
انتهى باختصار من تاريخ الأزرقي .
هذا بعض ما ورد عن التشوق إلى مكة المشرفة من أهلها الذين شطت بهم الدار في العصور السالفة ، ولئن أردنا ذكر كل ما يمت إلى هذا الموضوع لطال بنا