فإذا واصل الإنسان السير صوب الشام ، يخرج إلى فسخة أمامه في وسطها تقع بناية جميلة حديثة تسمى " المجزرة الجديدة " بنيت في أول العام المذكور ، لكنها لم تستعمل بعد وليس حولها بنيان ، ثم إذا مشى الإنسان عن يمينه قبل الوصول إلى المجزرة الجديدة صاعدا في أرض صخرية مرتفعة ، فإنه يستقبل شعب " جليل " كما يستقبل أمامه طودا عظيما شامخا هو " جبل حراء " .
فجليل واد متسع سهل غير مسكون ، ليس فيه سوى محلين صغيرين وبقعة صغيرة مزروعة ، ويقع شعب جليل بظهر جبل حراء من جهة الشام ، وهو ظاهر أمامه بقبته الطبيعية الفريدة .
والحق يقال أن شعب أذاخر ووادي جليل بقعتان جميلتان مباركتان ، تنبسط فيهما النفس وتنشرح لديهما الصدور ، ولقد ذهبنا إلى كثير من البقاع والشعوب حول مكة فلم نجد مكانا يضاهيهما في جمالهما الطبيعي وشدة ارتياح الإنسان إليهما ، وانشراح النفس فيهما ، مع أنهما لا زرع فيهما ولا شجر ، إلا ما أودع اللّه فيهما من جمال طبيعي وروعة وصفاء ، ونعتقد أن غالب أهل مكة ، لم يصلوا إليهما حيث إنهما من الجهات غير المطروقة . وو اللّه إنه ليحق لبلال رضي اللّه تعالى عنه أن يتذكرهما ويحن إليهما في غربته .
وعن طلحة بن عمرو قال : قال ابن أم كثلوم وهو آخذ بخطام ناقة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وهو يطوف :
حبذا مكة من وادي * بها أرضي وعوادي
بها ترسخ أوتادي * بها أمشي بلا هادي
نقول : هذان البيتان لأبي أحمد بن جحش ، فقد جاء في كتاب " الإصابة في تمييز الصحابة " عند ترجمة أبي أحمد بن جحش الأسدي رضي اللّه تعالى عنه وهو من السابقين الأولين إلى الإسلام ، كان أبو أحمد ضريرا يطوف بمكة أعلاها وأسفلها ، بغير قائد ، وكانت عنده الفارعة بنت أبي سفيان بن حرب ، وشهد بدرا والمشاهد ، وكان يدور مكة بغير قائد ، وفي ذلك يقول :
حبذا مكة من وادي * بها أهلي وعوادي
بها ترسخ أوتادي * بها أمشي بلا هادي
وأبو أحمد أخو أم المؤمنين زينب بنت جحش رضي اللّه تعالى عنهما . انتهى .