ورب امرئ ألقى هواه على امرئ * فلم ير منه غير ما يورث الحزن
وقال ابن الرومي في الوطن :
ولي وطن آليت أن لا أبيعه * وأن لا أرى غيري له الدهر مالكا
عمرت به شرخ الشباب منعما * بصحبة قوم أصبحوا في ظلالكا
وحبّب أوطان الرجال إليهم * مآرب قضاها الشباب هنالكا
إذا ذكروا أوطانهم ذكرتهم * عهود الصبا فيها فاحنوا لذالكا
وقد ألفته النفس حتى كأنه * لها جسد إن بان غودر هالكا
فكم تغنى الشعراء وأشاد الكتاب والأدباء بالوطن ، أي وطن كان ، فما بالك بمن وطنه أشرف الأوطان وبلده أقدس البلاد وأطهرها وهو " أم القرى بلد اللّه الأمين " فحق لرسول اللّه صلى الله عليه وسلم وصحابته المهاجرين الكرام أن يشتاقوا لوطنهم العزيز المقدس " مكة " التي فيها بيت اللّه عز شأنه ، وفيها نزل القرآن وهبط جبريل . وفي اشتياقه صلى الله عليه وسلم إلى مكة عند هجرته منها يقول اللّه عز شأنه في آخر سورة القصص :
إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ
.
قال بعض المفسرين : سبب نزول هذه الآية : أنه صلى الله عليه وسلم لما أذن له في الهجرة إلى المدينة وخرج من الغار مع أبي بكر ليلا في غير الطريق ، فلما نزل بالجحفة بين مكة والمدينة وعرف طريق مكة اشتاق إليها وذكر مولده ومولد أبيه ، فنزل عليه جبريل وقال له : أتشتاق إلى بلدك ومولدك ؟ فقال عليه السلام : نعم ، فقال جبريل :
إن اللّه تعالى يقول :
إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ
يعني إلى مكة ظاهرا عليهم . وسميت البلد معادا ؛ لأن شأن الإنسان أن ينصرف من بلده ويعود إليها . انتهى .
وإليك بعض ما ورد عن ذكرياتهم " والذكريات صدى السنين الخوالي " نذكرها مختصرا من تاريخ الإمام الأزرقي رحمه اللّه تعالى ، فقد جاء فيه :
قال ابن أبي الحمراء : سمعت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يقول وهو بالحزورة : واللّه إنك لخير أرض اللّه إلى اللّه ولو أني أخرجت منك ما خرجت - " الحزورة كانت قرب باب الوداع ثم دخلت في المسجد " .