والأسد الخادر في البوادي * والنمل فيما اتخذت من وادي
ونزعة الناس إلى أوطانها * كنزعة الإبل إلى أعطانها
يحبه الأقوام منذ كانا * ولا يساوون به مكانا
إذا أتاهم أيسر النداء * منه جروا لغاية الفداء
أو ذكر الحنين والحفاظ * لم تجر إلا باسمه الألفاظ
وتكرم الدار على الحر الأبي * كرامة الأم عليه والأب
وليس من عرض ولا حريم * تحميه فوق الوطن الكريم
الجسم من تربته ومائه * والروح روح هب من سمائه
وكل ما حولك من هباته * وما وجدت فهو من نباته
أمانة الأول عند الآخر * خزانة الآثار والمفاخر
انتهى .
فالوطن عزيز على كل أحد ، حتى لو كان قرية صغيرة فما بالك إذا كان الوطن بلدة كبيرة شهيرة .
( يحكى ) في قديم الزمان أن رجلا كان عنده طير وضعه في قفص من ذهب ، فكان يطعمه حبا نقيا نظيفا ويسقيه ماء طهورا معطرا فاستضاف يوما أحد الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فلما رآه الطير صار يغرد تغريدا متواصلا ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لمضيفه : أتدري ما يقول هذا الطير ؟ قال : لا ، قال : فإنه يحب أن تطلقه من هذا القفص ليذهب إلى وطنه ، فقد اشتاق إليه كثيرا ، قال : سأطلقه يا نبي اللّه ، ولكني أحب أن ترسل وراءه أحد الطيور ليأتينا بخبره أين يقع وطنه . فأمر النبي الكريم طيرا من الطيور أن ينطلق وراءه ليأتي بخبره ، فذهب وراءه فما زالا يطيران حتى وصلا إلى موطن الطير وإذا به يقع على شجرة يابسة في وسط الصحراء قاحلة وإذا الطير يغرد تغريدا الفرح والسرور ويقول : إن هذه البقعة القاحلة الجرداء أفضل عندي من المحل الذي كنت فيه - هذه الحكاية لا تهمني صحة روايتها بقدر ما يهمنا مغزاها ومعناها ، فرحم اللّه من حكاها لنا وغفر لنا وله .
قال بعضهم في الوطن :
بلاد ألفناها على كل حالة * وقد يؤلف الشيء الذي ليس بالحسن
وتستحسن الأرض التي لا هواؤها * ولا ماؤها عذب ولكنها وطن