وتهيب بالهمم الأبية أن تهب * لبعث كنز تراثنا المتواري
هذا حراء سائلوه يجيبكم * فلعله سفر من الأسفار
واستلهموا مواقف الوحي التي * شع الهدى منها على الأقطار
وسلوه ماذا قد أقل من البطولة * والحجا أكرم به من غار
أخلق بغار حراء أن يزهو على * الإيوان والأهرام والآثار
كم بين صاحبه وبين بنائها * من فارق أربى على الأقدار
شتان بين محرر الأقوام * والمتعبدين سلاسل الأحرار
وقال أمير الشعراء شوقي بك رحمه اللّه تعالى في حراء في كتابه " دول العرب وعظماء الإسلام " :
كان ابتداء الوحي في حراء * فاتحة الرسالة الغراء
اللّه خير خلقه أعطاها * وحمل الأمر العظيم " طه "
أرسله قلادة النظام * عصماء عقد الرسل العظام
( فإن قيل ) : فما حكمة ذهاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلى جبل حراء للتعبد في غاره ، مع أنه جبل يبعد عن الكعبة المعظمة بنحو أربعة كيلو مترات ، ومع أن البيوت في أيام الجاهلية حول الكعبة بما لا يتجاوز عن مائتي متر تقريبا ، أي ما كانت البيوت تبلغ محلة المدعا من الناحية الشمالية ، ومثلها من جميع الجهات - فلو أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ذهب إلى جبل أبي قبيس أو إلى جبل قعيقعان وهما أخشبا مكة ، أو إلى جبل أجياد أو إلى جبل بقرب المعلا لكان أيضا بعيدا عن أعين الناس في ذلك الزمن ؟
( نقول ) : إن ذهاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلى جبل حراء للتعبد في غاره قبل بعثته ، إنما هو بتوجيه من اللّه تبارك وتعالى فقط ، لحكمة يعلمها جل جلاله ، وأيضا لقد اطلعنا أن بعض الأنبياء عليهم الصلاة والسلام كانوا إذا وصلوا إلى مكة ذهبوا إلى هذا الجبل للتعبد ، مع العلم بأن الملائكة الكرام عليهم السلام ، كانوا يأخذون الحجارة من هذا الجبل فيرمونها في أساس الكعبة المعظمة عند بنيانهم لها لأول مرة قبل آدم عليه الصلاة والسلام ، فأساس الكعبة إلى تخوم الأرض ، هو من خمسة جبال منها جبل حراء ، كما ذكرنا ذلك بالتفصيل ، في محله من هذا الكتاب .