فعليه يكون جبل حراء من الجبال المباركة ، العريقة في البركة والخير ، ومن هنا يسمي أهل مكة أدام اللّه تعالى رضاه عليهم جبل حراء بجبل النور ، ولهم الحق في ذلك ، فقد انبثق نور الحق والقرآن من هذا الجبل المبارك العظيم ، إن هذا الجبل وما حوله من الجبال والأراضي إلى حدود الحرم من جميع الجهات كلها مباركة طيبة منيرة ، أليست كلها من مكة المكرمة ، وفي حرمها الآمن المستنير .
وقد طلع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم مرة بعد بعثته ، وربما بعد هجرته ، إلى المدينة المنورة على جبل حراء ، كما جاء ذلك في صحيح مسلم في الباب السادس من كتاب الصحابة رضي اللّه تعالى عنهم أجمعين ، فعن أبي هريرة رضي اللّه عنه ، أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كان على جبل حراء فتحرك ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : اسكن حراء ، فما عليك إلا نبي أو صديق أو شهيد . عليه النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير وسعد بن أبي وقاص رضي اللّه عنهم ، وجاءت عن أبي هريرة أيضا في صحيح مسلم في هذا الباب رواية أخرى اكتفينا بما ذكرناه ، كما جاء في ابن ماجة رواية تماثل ما ذكرناه . ومثل ما جاء في جبل حراء بمكة جاء أيضا في جبل أحد بالمدينة ، وذلك في صحيح البخاري .
وما أحلى قول بعض الأعلام عندما وصل إلى غار حراء :
أمرّغ في حراء أديم وجهي * وأبصر فيه من نور بهي
لعلي أن أمس بحرّ وجهي * ترابا مسه قدم النبي
فكم من ذكريات كان فيه * وكم فيه من الفضل الخفي
ألم يك ساس بيت اللّه منه * قديما قبل بنيان النبي
أليس المصطفى قد كان يرقى * عليه للتعبد بالعشي
وذلك قبل بعثته إلينا * كما هو ظاهر عند الذكي
فأول رؤية للوحي كانت * له في داخل الغار الجلي
تبدى جبريل وقال اقرأ * باسم اللّه مولانا العلي
إلى آخر القصيدة .
هذا ، والحق يقال أن جبل حراء وما حوله فيه من الأنوار المعنونة ما لا يخفى على أولي البصائر وأرباب القلوب ، بل وجميع مكة المكرمة إلى حدود الحرم من جميع الجهات كذلك ، ويعرفه أهل الذوق والإشارات لا من كثفت طباعه وغلظت حواسه ، وكيف لا تكون هذه الأماكن الشريفة كذلك ، أليست هي