بالحجاز ولا بالدنيا كلها يشبه جبل حراء ، فهو بين الجبال فريد الشكل والصورة ، والأساس الأول للكعبة من حجارته ، فهو جبل معظم حتى في الجاهلية ، فقد قال أبو طالب فيه في قصيدته التي ذكرناها في غير هذا المكان :
وثور ومن أرسى ثبيرا مكانه * وراق ليرقى في حراء ونازل
ولقد ورد ذكر حراء في بعض الأحاديث الصحيحة ، ( فمن ذلك ) ما جاء في الصحيحين عن جابر رضي اللّه عنه : " جاورت بحراء شهرا فلما قضيت جواري نزلت فاستبطنت بطن الوادي فنوديت ، فنظرت أمامي وخلفي وعن يميني وعن شمالي فلم أر أحدا ، ثم نوديت فنظرت فلم أر أحدا ، ثم نوديت فرفعت رأسي فإذا هو على العرش في الهواء ، يعني جبريل عليه السلام ، فأخذتني رجفة شديدة فأتيت خديجة فقلت : دثروني ، فدثروني فصبوا علي ماء ، فأنزل اللّه :
يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنْذِرْ
" .
( ومنها ) ما جاء في الصحيحين أيضا عن جابر رضي اللّه عنه : " بينا أنا أمشي إذ سمعت صوتا من السماء ، فرفعت رأسي ، فإذا الملك الذي جاءني بحراء جالسا على كرسي بين السماء والأرض ، فجئت منه فرقا ، فرجعت فقلت : زملوني زملوني ، فدثروني فأنزل اللّه :
يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنْذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ * وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ * وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ
" .
( ومنها ) ما جاء في صحيح البخاري في أول الجزء الأول منه عن عائشة رضي اللّه تعالى عنها أنها قالت : " أول ما بدئ به رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم ، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح ، ثم حبب إليه الخلاء ، وكان يخلو بغار حراء فيتحنث فيه ، وهو التعبد الليالي ذوات العدد ، قبل أن ينزع إلى أهله ويتزود لذلك ، ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها حتى جاءه الحق وهو في غار حراء ، فجاءه الملك فقال : اقرأ ، قال : ما أنا بقارئ ، قال : فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد ، ثم أرسلني ، فقال : اقرأ ، فقلت : ما أنا بقارئ ، فأخذني فغطّني الثانية حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال : اقرأ ، فقلت : ما أنا بقارئ ، فأخذني فغطني الثالثة ثم أرسلني ، فقال :
اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ
. فرجع بها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يرجف فؤاده ، فدخل على خديجة بنت خويلد رضي اللّه عنها ، فقال : زملوني زملوني ، فزملوه حتى ذهب عنه الروع ، فقال لخديجة وأخبرها الخبر : لقد خشيت على