بالنون ، وكأن ذلك لكثرة مجاورة النبي صلى اللّه عليه وسلم وتعبده فيه ، وما خصه اللّه به فيه من الإكرام بالرسالة ونزول الوحي عليه في الغار الذي بأعلاه ، كما في صحيح البخاري ، حتى فجأه الحق ، وهو في غار حراء ، وهو معروف مشهور يأثره الخلف عن السلف ، ويقصده الناس بالزيارة ، ذكر الأزرقي أن النبي صلى اللّه عليه وسلم اختبأ فيه من المشركين ، وكذا ذكره الفاكهي ، قال أيضا : والمعروف أن النبي صلى اللّه عليه وسلم لم يختبئ من المشركين إلا في غار ثور ، لكن يتأيد ما ذكر بما قاله القاضي عياض والسهيلي في روضه : أن قريشا حين طلبوا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كان على ظهر ثبير ، فقال له :
اهبط عني يا رسول اللّه فإني أخاف أن تقتل وأنت على ظهري ، فيعذبني اللّه تعالى ، فناداه حراء إلى رسول اللّه ، وجمع القاضي تقي الدين رحمه اللّه ، فقال :
إن صح اختفاؤه صلى اللّه عليه وسلم بحراء ، فهو غير اختفاؤه بثور ، واللّه أعلم ، فيكون في حراء أولا ، وفي ثور حين الهجرة ، وذكر بعض العلماء أن السر في كونه صلى اللّه عليه وسلم ، لازم التعبد فيه دون غيره من الجبال من حيث إن فيه فضلا زائدا : منه أن يكون فيه منزويا مجموعا لتعبده ، وهو يشاهد بيت ربه ، والنظر إلى البيت عبادة ، فحصل له اجتماع ثلاث عبادات : الخلوة ، والتعبد ، والنظر ، ومجموع ذلك أولى من الاقتصار على البعض ، وغيره من الأماكن ليس فيه ذلك المعنى ، وأيضا أن هذا الجبل كان يختلي فيه أجداده صلى اللّه عليه وسلم ، ( أقول ) : وفيما ذكر نظر لأن غيره من الجبال يتأتى فيه ما ذكره من اجتماع العبادات الثلاث كأبي قبيس مثلا ، ويزيد بقربه من البيت ، فكان أولى أن يتعبد فيه ، وإن كان المراد البعد عن الناس لخلو البال في التعبد ، فالجبال البعيدة كثيرة ، اللهم إلا أن يقال إن الغار الذي بحراء مستقبل الكعبة من غير انحراف ، وليس غيره كذلك فله وجه ، والأحسن أن يقال أن جبل حراء متعبد أجداده ، فاقتدى بهم في ذلك ، واللّه الموفق .
انتهى من الجامع اللطيف المذكور .
انظر : صورة رقم 66 ، جبل حراء وبأعلاه الغار
انظر : صورة رقم 67 ، جبل حراء ومدخله . ويرى المؤلف في سفحه
وجبل حراء : بكسر الحاء المهملة وفتح الراء الممدودة ، هو اسم قديم له ، وأهل مكة يسمونه الآن " جبل النور " لظهور النبوة منه ، وهو على يسار الذاهب إلى منى ، وهو جبل معروف عال ، قمته تشبه الطربوش الذي يلبس في الرأس ، أو كسنام الجمل الأصيل السمين ، أو كالقبة الملساء ، فلا يوجد جبل بمكة ولا
التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم — صفحة 409
مساهمون: محمد طاهر الكردي المكي ( خطاط )
ص٤٠٩