فقوله بمكة : سبق إليه الجوهري وهو تجوز لكونه بقرب مكة ، وقوله بقرب منى ، ينبني على قول من قال أنه جبل بالمزدلفة وهو قول مرجوح ، ويؤيده ما ذكره من أنه أهبط عليه الكبش الذي فدى به إسماعيل ، فلم يختلفوا في أن هذا الجبل بمنى ، وهو على يسار الذاهب إلى عرفات . انتهى واللّه أعلم .
وقال شيخنا قاضي القضاة مجد الدين الشيرازي في كتابه " الوصل والمنى في فضل منى " : أن أبا بكر النقاش المفسر قال في منسكه : إن الدعاء يستجاب في ثبير ، يعني ثبير الأثبرة الذي بلحفه مغارة الفتح ، لأن النبي صلى اللّه عليه وسلم كان يتعبد فيه قبل النبوة وأيام ظهور الدعوة ، ولهذا جاورت به عائشة أم المؤمنين ، وذكر أن بقرب المغارة التي أنشأها بلحف ثبير معتكف عائشة انتهى بالمعنى ، ويعرف هذا الموضع بصخرة عائشة واللّه أعلم بحقيقة ذلك . انتهى كل ذلك من شفاء الغرام .
نقول ، معنى قول القائل جبل ثبير بالمزدلفة : أن هذا الجبل ممتد إلى أواخر منى إلى قرب مزدلفة فيظهر منها ، لذلك كانت العرب في الجاهلية إذا باتوا بمزدلفة بعد رجوعهم من عرفات تقول : " أشرق ثبير كيما نغير " ، أي أشرق بالشمس حتى ندفع من المزدلفة . فمن قال أن جبل ثبير بالمزدلفة نظر إلى هذه العبارة ، والحقيقة أنه يمتد من جهة حراء بمكة حتى أواخر منى بما يقرب من المزدلفة ، فإن بعض الجبال تمتد إلى مسافات بعيدة ، وامتداده ليس على استقامة واحدة بل بتعاريج وانزواءات ، لذلك يتخلله شعاب وأمكنة بين الجبال الواقعة بقربه والمحيطة به .
جبل خندمة
الخندمة : هو بفتح الخاء المعجمة وسكون النون وفتح الدال ، جبل معروف بمكة إلى اليوم ، وهو الجبل الذي يمتد من أبي قبيس إلى المعلا ، على طول شعب علي المسمى شعب بني هاشم ، وعلى طول شعب عامر .
جاء في آخر تاريخ القطبي المسمى " الإعلام بأعلام بيت اللّه الحرام " ما نصه :
ومنها جبل الخندمة ، وهو جبل كبير خلف أبي قبيس ، قال الفاكهي : حدثني أبو بكر أحمد بن محمد المليكي ، حدثنا عبد اللّه بن عمر أسامة ، قال : حدثنا أبو صفوان عن ابن جريج ، عن عطاء عن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما ، قال : ما مطرت مكة قط إلا وكان الخندمة غرة ، وذلك أن فيها قبر سبعين نبيا ، انتهى .