نقول : إن أمر اختباء رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم مع صاحبه أبي بكر ، رضي اللّه تعالى عنه ، في غار ثور في ظاهره أمر عادي يمكن حصوله لأي أحد ، لكنه في الحقيقة أمر غير عادي ، بل فيه عدة من المعجزات له عليه الصلاة والسلام ، وهي كما يأتي :
( 1 ) الاهتداء في ظلام الليل إلى هذا الجبل بالنفس ، بينما أهل مكة اليوم لا يهتدون إليه بالنهار إلا بدليل لأنه تكتنفه عدة جبال ، فليس من السهل الاهتداء إليه .
( 2 ) الاهتداء في ظلام الليل إلى نفس هذا الغار في رأس الجبل ، بينما نحن لا نعرفه إلا بدليل يدلنا إليه .
( 3 ) الطلوع إلى هذا الغار في ظلام الليل لا يتمكن لكل أحد ، فإن الطلوع إلى هذا الغار في عصرنا هذا ، وفي وضح النهار ومن طريق خاص معروف ، يحتاج إلى نحو ساعتين من الزمن ، بمعنى أن الإنسان إذا بدأ في طلوع الجبل من أذان العصر فإنه يصل إلى الغار مع غروب الشمس تقريبا ، كما يحتاج في نزوله من الجبل إلى مثل هذا الوقت أيضا ، فتصور كيف تيسر ذلك لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في ظلام الليل .
( 4 ) الاهتداء إلى باب هذا الغار الضيق . وقد عرفت فيما سبق صعوبة الدخول فيه بالنهار ، فكيف بمن يدخله في ظلام الليل .
( 5 ) وصول المشركين إلى فم الغار نهارا يبحثون عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وصاحبه فلم يروهما مع أنهما كانا أمامهم ، فاللّه تعالى أعمى أبصارهم .
( 6 ) أمر اللّه تعالى العنكبوت ، فنسجت سريعا على باب الغار ، تضليلا للمشركين .
( 7 ) أمر اللّه تعالى حمامتين وحشيتين فعششتا وباضتا على فم الغار ، تضليلا للمشركين أيضا .
إلى غير ذلك من المعجزات التي وقعت له وهو في طريقه إلى المدينة المنورة ، وما أحلى كلام بعض الشعراء رحمه اللّه تعالى حيث يقول :
وما حوى الغار من خير ومن كرم * وكل طرف من الكفار عنه عمي
فالصدق في الغار والصدّيق لم يرما * وهم يقولون ما بالغار من أرم
ظنوا الحمام وظنوا العنكبوت على * خير البرية لم تنسج ولم تحم