ولما بلغنا الغار وجدناه صخرة مجوفة في قنة الجبل أشبه بسفينة صغيرة ظهرها إلى أعلى ولها فتحتان في مقدمها واحدة وفي مؤخرها أخرى ، وقد دخلت من الغربية زاحفا على بطني مادا ذراعي إلى الأمام ، وخرجت من الشرقية التي تتسع عن الأولى قليلا بعد أن دعوت في الغار وصليت ، والفتحة الصغيرة عرضها ثلاثة أشبار في شبرين تقريبا ، وهي الفتحة الأصلية التي دخل منها النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وهي في ناحية الغرب ، أما الفتحة الأخرى فهي في الشرق ، ويقال إنها محدثة ليسهل على الناس الدخول إلى الغار والخروج منه ، والغار من الجبل في الناحية الموالية لمكة ، وقد وجدنا بجانبه رجلا عربيا يتناول الصدقات من الزائرين في مواسم الحج ويرشدهم إلى الغار إذ توجد هناك صخور تشبه صخرته ، ولكنها لا تماثلها تماما ، وقد مكثنا فوق ظهر الجبل ساعتين أكلنا فيهما وشربنا وتناولنا الشاي وتفقدنا كثيرا من نواحي الجبل ، وقد نزل في خلالها القسم الذي زار وجاء القسم الذي تركناه بسفح الجبل ليزور ، وقد قدم علينا ونحن على ظهر الجبل نحو عشرين من حجاج الداغستان ، ففرحوا بنا ورافقونا إلى أن رجعنا إلى مكة . ولا يقصد زيارة هذا الغار وغار حراء إلا قليل من الأتراك والمغاربة والداغستانيين ، ولم يسبقنا إلى هذه الزيارة أحد من المصريين بل ولا من المكيين إلا ما ندر ، وقد بلغني من أناس يقيمون بمكة منذ أربعين سنة ، أنهم لم يصعدوا إلى هذين الجبلين ولا رأوا من المصريين أو مرافقي المحمل من قصدهما ، فلله المنة علينا . ( انظر الغار في منظر 83 ) الذي أهداه إلينا في سنة ( 1342 ) حضرة أحمد أفندي صابر ناظر التكية المصرية بمكة ، فله منا الشكر الجزيل على هذه الهدية القيمة .
وارتفاع جبل ثور يزيد على 500 متر ، والواقف في أعلاه يشرف على كل ما حواليه من الجبال ، ويرى مكة وما حولها واضحة ظاهرة ، وكذلك يرى حدة ( بالحاء المهملة ) بنخلها ، وبأعلى ثور علم يسترشد به الناس لمعرفة هذا الجبل ، وهو مبني بالحجر ومبيض بالجص ، ويشبه الأعلام التي وصفناها قبلا في طريقه ، والجبل ذو ألوان مختلفة من ذهبي وفضي وفحمي وما يشبه الإسمنت وما يماثل المرمر ، وربما كانت له ألوان أخرى في جهات لم أرها . انتهى من مرآة الحرمين .
وقد سبق الكلام أيضا على اختباء رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في غار جبل ثور بتفصيل تام وذلك عند الكلام على الهجرة ، فراجعه إن شئت .
التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم — صفحة 397
مساهمون: محمد طاهر الكردي المكي ( خطاط )
ص٣٩٧