لا يزال يزداد الإعجاب بالبدوي ، كلما فكرنا في ثباته وسكينته وشجاعته التي لا يزعزعها شيء ، يدخل البدوي الصحراء وعماده ثلاثة : الجمال ، والماء ، والدليل . أما الجمال ، فقد يخور أقواها ، وينفق لغير سبب ظاهر ، ويقوم أضعفها يتمايل تحت حمله ، يقارب في خطواته ، حتى يبلغ آخر الشوط ، وموت جمل من جمال القافلة كارثة في إلقاء جل أحماله ، إن لم يكن كلها . أما الماء فيحمل أكثره في قرب ، وقد تتصدع القربة ، أو يبخر منها الماء ، وربما اصطدم جملان ، فتنشق قربة أو قربتان ، وهذه هي الطامة الكبرى . بقي الدليل ، فقد يقول - والأسباب كثيرة - أن الأرض تدور برأسه ، وأن رأسه طاح ، وقد يضل الطريق إذا غامت السماء بضع ساعات ، أو أخطأ في ترسم معالمه .
عماد البدوي في اجتياز الصحراء ، كما قدمت ، الجمال والماء والدليل ، ولكنها جميعا لا تغني عن شيء آخر هو الإيمان ، الإيمان الثابت الذي لا يتزعزع ، الإيمان الراسخ الوطيد ، ولو رجع كل رحالة إلى نفسه ، ما استطاع أن يقول :
فعلت ، بل كل ما يستطيع أن يقوله : وفقت ، وما التوفيق إلا من عند اللّه .
قد تتجمل الصحراء ويلين مهادها ، وقد يكون رجال القافلة متهللين نضر الوجوه ، وقد تعبس الصحراء ، فإذا تهدلت رؤوس الإبل من العطش والإعياء ، ونزر الماء ، وما من أثر لبئر قريبة ، ووجم رجالك ، وتطرق اليأس إلى نفوسهم ، وسألت دليلك ، فهز كتفيه وقال : اللّه أعلم ، وذرعت بنظرك الأفق ، فإذا هو ذلك الخط الغائم المضطرب ، وجلت ببصرك في كل ما يحيط بك ، فما رأيت شارة ولا علامة تبعث على بصيص من الأمل ، وضاقت دائرة الأفق ، حتى أصبحت على رحبها طوقا يضيق حول عنقك ، فهنا يشعر البدوي بافتقاره إلى القدرة القادرة ، وهنا يجأر باستدرار رحمه اللّه ولطفه ، حتى إذا ضلت دعواته ، ضم جسده الذاوي ، وتهالك على الرمال ينتظر الموت المحتوم في سكينة واستسلام ، هذا هو الإيمان الذي لابد منه لمجتاز الصحراء .
انتهى من كتاب المطالعة الوافية .
ذكر بعض أشهر جبال مكة
جاء في كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب للنويري ما نصه : قال اللّه تعالى :
وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ
، قال المفسرون : خلق اللّه عز وجل ،