وينصل الليل ، فينبعث من أول متيقظ من رجال القافلة : " حي على الصلاة ، الصلاة خير من النوم " ، فيستيقظ القوم ، وكأنهم يجمعون عظامهم ، ومع ذلك ، فما أعظم ما طرأ عليهم ، سرى فيهم الأمل وتولدت الثقة بل قد يعتقدون في ضمائرهم أن سيجري كل شيء على ما تهوى نفوسهم والدنيا بعد فضاء مكفهر رطب ، ونيران الصباح وحدها تذهب ببرودة نسيم الشمال ، فإذا كان الجو صحوا ، لا سحاب فيه ولا مطر ، انتشر في السماء نور ضئيل يرمي خلف الرجال والإبل ظلالا مستطيلة رواغة تدق حتى ما تكاد تسميها ظلالا ، ثم يتخضب الفضاء بحمرة تبعث الدفء حتى إذا ما بدت ذكاء ، لم يبق في الصحراء إلا ذلك المنبسط السحيق من زرقة وصفرة ، ثم تنصل الزرقة شيئا فشيئا ، حتى إذا انتصف النهار أمحت الألوان من السماء .
ويخلق الصباح قوة جديدة ، تلك هي الساعات التي يتجلى فيها للإنسان سحر الصحراء وجمالها ، في سكون هذا الفضاء المتسع يدق الإحساس ويرهف ، حتى ليشعر قاطع الصحراء أحيانا بقرب ( واحة ) عامرة وتغلب غريزته أيضا ، فيحس بمئات الأميال التي تبعده عن كل كائن حي ، وفي تلك اللانهائية الساكنة ، يصحو الجسم ، وتصفو الروح فيشعر الإنسان بأنه أقرب إلى اللّه عز وجل ، ويحس قوة قاهرة ، ليس لقوة أخرى أن تحول قلبه عنها ، ويتسرب إلى نفسه الإيمان بالقدر الغالب فيصبح شديد الاستسلام ، حتى يهون عليه بذل حياته للصحراء دون تبرم ، وهناك حقا أوقات يشعر الإنسان فيها بأن الحياة قليلة الوزن هينة ، وتكشف الصحراء من الإنسان عن جوانبه الشريفة ، فإنك إذا واجهت أهل المدن بالخطر ، ناضل كل عن نفسه ، أما في الصحراء فتسمو النفس ، وتختفي الأثرة ويبدو الإيثار ، فيفرغ كل قصارى جهده في خدمة زملائه ، فإذا هدد الخطر قافلة من القوافل ، وعنّ لأحد أفرادها سبيل النجاة ، تنكب عنها ، ولم يترك رفقاءه لينجو بنفسه . وأشد ما يهولك في الصحراء أن يقل الماء ، وربما دار بخلدك في مثل هذه الحال أن تستبقي لنفسك ما لديك منه ، ولكنك بدلا من هذا لا تلبث أن تجدك حاملا زجاجة الماء ، وهي إذ ذاك أثمن ما تملك ، تدور بها على الرفاق ، تسأل كل منهم ، هل يريد جرعة ، تسألهم غير آبه ولا مكترث ، كأنما خيل إليك أن الماء موفور غزير فائض عن حاجتك ، تسألهم دون أن تفكر في سلامتك ، وهكذا يكون الإيثار ، وتكون التضحية .
التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم — صفحة 373
مساهمون: محمد طاهر الكردي المكي ( خطاط )
ص٣٧٣