النهار الذي قطعته معنا في نضال الصحراء أدمى وجهها فإذا قرصها يرسل أشعة حمراء ، كأنها خيوط الدم ، وكأنما الشمس قد عمدت مثلنا إلى الانزواء ، تضمد ثخين جروحها وتجدد منهوك قواها ، حتى إذا تم لها ذلك عادت وعدنا في نورها إلى مصارعة الصحراء ، ولكن الصحراء لا تلبث أن تصرعنا وتصرعها . . . قصة كل يوم .
يهبط الظلام شيئا فشيئا ، تطارد طلائعه فلول النور ، ويسجو الليل ، زاهر النجوم ، أو وضاح البدر ، وربما كان ليل الصحراء أعجب نواحي الحياة فيها ، يسري نسيم الليل عليلا ، فينعش روح القافلة ولا تمضي دقائق حتى يبدأ النقر على الصفائح الفارغة ، ويدور الرقص والغناء ، ويتجمع شمل الرجال حول النار الخابية ، فيتوسم كل منهم وجوه رفقائه ، ليطمئن عليهم ، ويستيقن سلامتهم ، ويحاول كل منهم أن يكون أشد بهجة من جاره ، ليقوي عزيمته ويجدد في نفسه الثقة والأمل والطمأنينة . وقد نعمد إلى مغالطة أنفسنا بأن نبعث في ظلام صيرتنا ومتاعبنا نورا فيقول أحدنا : " إن جمال القافلة بخير " ، ويقول آخر : " لقد تعهدت الجرح ، فإذا به أخف مما كنت أظن " ، ويقول ثالث إنه رأى ثارة البئر على مقربة إلى اليمين ، وهكذا نستدرج أنفسنا لنقنعها بأن كل شيء على ما نود ونرغب ، وربما كان هذا كله تغريرا منا بأنفسنا أمام الصحراء التي خلبت ألبابنا ، وتغلب سحرها على عقولنا ، تبسم لك الصحراء ليلا ، فتنسى كل شيء ، تنسى متاعبك وآلامك .
تنسى الصعاب التي لاقتك ، والمشقات التي تنتظرك ، تنسى كرب الحر والعطش وتنسى أنك كنت قد أشرفت اليوم على الهلاك ، وأن الموت يرقبك غدا ، وأنه كامن لك في كل خطوة ، تبسم لك الصحراء ، فلا يبقى بعدها مكان أجدر بأن تعيش فيه ، ولا تطيب لك الحياة في غيرها ، تبسم الصحراء فيعاودك حبها ، وتقبل عذرها ، وتغفر ذنبها ، وتنقض عهد هجرانها . قليل من أهل المدن يدركون لذة الجلوس في حلكة الظلام ورعي النجوم ، ولا عجب إن كان العرب أساتذة علم الفلك ، فالأعرابي إذا انتهى من عمل يومه ، خلا إلى نفسه ، وانقطع إلى ترسم حركات النجوم وإمتاع روحه ، بما تبعثه فيه من الراحة ، والشعور بالسمو إلى ما فوق العالم الأرضي ، وتقع النجوم من نفسه موقع الأصدقاء الأقربين الذين يلقاهم كل يوم حتى إذا دارت قبة الفلك لم تغب فجأة ، وإنما تحتجب تدريجا كما يتوارى الراحل عن مودعه على أمل اللقاء القريب .
التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم — صفحة 372
مساهمون: محمد طاهر الكردي المكي ( خطاط )
ص٣٧٢