تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم — صفحة 371

مساهمون:

ص٣٧١
قد يكون للصحراء متاعبها ، ولكن لها أيضا مفاتنها ، تستهوي عشاقها وتجذبهم إليها ، افتتن بها كل من جاب نواحيها ، افتتن بعظمتها المتمثلة في فضائها الواسع ، وسكونها العميق ، وحياة التنقل المحفوفة بالمخاطر . تبسم الصحراء فما أحلى ابتسامها ، وتعبس فما أقبح عبوسها ، تضحك نجومها فتستهوي عابرها ، ويحتكم فضاؤها في القلب ، فتوقعه في أسرها فيسير مغتبط النفس هانيها ، سير المطمئن ، المؤتنس بها ، المولع بجمالها ، ولكن شيمتها الغدر ، فلقد تريك غاية الغضب والقسوة التي لا متجاوز بعدها ، بعد أن تضفي عليك السرور ، وترضيك تمام الرضا . الصحراء ساحرة جذابة ، إذا عرفتها تعلقت بها نفسك أبد الدهر ، ولكن ليس من السهل أن تدرك سر سحرها ، ولا سبب خلابتها وكل ما تعرفه أنها تناديك ، فينفذ نداؤها إلى صميم قلبك ، وتدعوك فلا تلبث أن تشد الرحال إليها راضيا مغتبطا ، يسوقك الحنين وتدفعك الذكرى . تلازم القافلة ساجي العينين ، تجرر قدميك المقروحتين على وقع خطا الإبل ، وقد جف الريق ، وتشقق الحلق ، ولا أثر لبئر ، يسير رفقاؤك في هدوء وسكون قد خفتت أصواتهم ، وقلص الجهد وجوههم ، وحالت إلى لون الدم عيونهم ، ملؤها اليأس ، تستطلع الأفق وتستوضح ذلك الخط الذي تلتقي عنده زرقة السماء وصفرة الرمال ، فإذا هو دائما ناصل بعيد السكون شامل ، لا تشقه إلا خضخيضة النزر اليسير من الماء في القرب المتهدلة على جوانب الإبل المتهالكة ، إننا في الصحراء لا نتحدث كثيرا ، فالصحراء تعلم الصمت والوجوم ، وإذا أحدق الخطر بنا تحامينا أن ينظر بعضنا إلى بعض ، وساد السكوت ، وماذا يجدي الكلام ، كل منا يعرف ما هو واقع ، وكل منا يحتمله بصبر وجلد ، إذا التضجر ضرب من السخط ، والسخط معصية لا يقدم عليها بدوي ، ففي عقيدته أن اللّه كتب عليه هذه الحياة ، وقدر عليه سلوك هذه الطريق ، وقد تودي به فلابد من الرضا ، والبدوي يقول : لا مفر مما كتبه اللّه وقدره أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة . وفي مثل هذه الساعات تقطع على نفسك العهود والمواثيق ، ألا تعود إلى الصحراء أبدا إذا قدر اللّه لك أن تخرج منها حيا . ثم ينتهي اليوم ، وتحط الرحال ، ولا تنصب الخيام ، لأن الرجال مجهدون غافلون عن التفكير في أنفسهم ، وكأن الشمس قد نالها ما نالنا من التعب ، وكأنما