تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم — صفحة 369

مساهمون:

ص٣٦٩
كهوفا ومغاور طبيعية تصلح للسكن والراحة التامة فيها ، ومنها أنهم كانوا يتخذون بيوتا في الجبال يعملونها نحتا بأيديهم كما قال اللّه تعالى عنهم في سورة الأعراف :
وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ عادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِها قُصُوراً وَتَنْحِتُونَ الْجِبالَ بُيُوتاً فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ
. وقال سبحانه في سورة الحجر :
وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ * وَآتَيْناهُمْ آياتِنا فَكانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ * وَكانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً آمِنِينَ
. وقال أيضا في سورة النحل :
وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ
، وقال فيها أيضا :
وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلالًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبالِ أَكْناناً
. قيل : كانوا ينحتون الجبال بيوتا لطول أعمارهم ، وكانت الأبنية تبلى قبل أن تبلى أعمارهم . يظن بعض الناس أن الجبال اسودت واغبرت من تأثير حرارة الشمس القوية التي مرت عليها آلاف الأجيال ، وهذا الظن ليس في محله ، إذ لو كان الأمر كذلك لوجدنا باطن الجبال بلون غير لون ظاهرها ، والحال أن باطنها وظاهرها بلون واحد . فلقد خلق اللّه تعالى الجبال بألوان مختلفة ، ففيها البيض وفيها السود وفيها الحمر وفيها الخضر وفيها غير ذلك من الألوان كما في الآية المتقدمة ، ومعنى كلمة " وغرابيب سود " الغربيب هو الذي أبعد في السواد وأغرب فيه ، ومنه الغراب لأنه شديد السواد ، ومن الجبال ما هو صلب شديد ورخو فتيت ، وما هو مدور وما هو مستطيل ، وما هو صغير وما هو كبير ، وما هو وحده مستقل ، وما هو متصل بغيره متسلسل ممتد إلى أميال بعيدة ، وما هو كالقطعة الواحدة ، وما هو متكون من أحجار وصخور بعضها فوق بعض من أصل الخلقة والطبيعة ، وما هو منقور منحوت ، وما هو مخروق ذو منافذ وطرائق ، وما هو أملس ناعم ، وما هو خشن يابس ، ومنها ما هو آهل بالسكان وما هو خال من العمران ، ومنها ما فيه أنهار وزروع وثمار ، ومنها ما لا ينبت فيها زرع ولا يصلح للعمار ، وبين هذا وذاك سبل ووديان ينتفع منها الإنسان والحيوان . ومن الجبال ما هو شامخ عال . قال تعالى في سورة المرسلات :
وَجَعَلْنا فِيها رَواسِيَ شامِخاتٍ وَأَسْقَيْناكُمْ ماءً فُراتاً
.
التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم — صفحة 369 | محمد طاهر الكردي المكي ( خطاط )