تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم — صفحة 297

مساهمون:

ص٢٩٧
مقامكم ، حتى هو لا يفتحها إلا بعد أن تغمس في خل ثقيف وتنشر حتى تيبس ، وحينئذ يقرؤها ويعرفكم بمضمنها إذ ليس يأتيكم من سوس ما يوجب الكتمان عن مثل كاتبكم . ا ه . وهذا هو عمل الإفرنج اليوم في تحفظهم من الوباء المسمى عندهم بالكرنتينة ، المعروفة في باب الوقاية ودوائر الصحة ، وقد كانت وقعت المحاورة بين عالمي تونس أبي عبد اللّه محمد المناعي المالكي ، والشيخ أبي عبد اللّه محمد بيرم الحنفي في إباحتها وحظرها ، فألف الأول في الحرمة وألف الثاني في الجواز ، مستدلا ، على ذلك بنصوص من الكتاب والسنة ، انظر رحلة الشيخ رفاعة الطهطاوي لباريز . وفي إرشاد الساري ، في تفسير سورة النساء ، لدى قوله تعالى :
وَخُذُوا حِذْرَكُمْ
دل ذلك على وجوب الحذر من جميع المضار المظنونة . ومن ثم علم أن العلاج بالدواء ، والاحتراز عن الوباء ، والتحرز عن الجلوس تحت الجدار المائل واجب . ا ه . وانظر كلاما لصاحب الاستقصاء في النازلة ، جعل ذلك مقيدا بالوجه الذي ليس فيه مفسدة شرعية ، واللّه أعلم . انتهى من كتاب التراتيب الإدارية . ومما يجب ذكره في هذا المبحث ، هذه الحادثة الآتية التي تدل على مبلغ قوة إيمان أهل الزمن السابق الذين كانوا يتحصنون بالآيات ، ويلتجئون إلى اللّه تعالى في المحادثات . قال الغازي رحمه اللّه تعالى في تاريخه نقلا عن الحضراوي ، في تاج تواريخ البشر : وفي سنة ( 1288 ) ثمان وثمانين ومائتين وألف ، كان بمدينة خير الأنام ، عليه أفضل الصلاة وأتم السلام ، وباء حتى مات جملة من الزوار في شهر رجب من أهل مكة وغيرهم ، فصدرت أوامر الدولة العلية والمصرية بإرسال حكماء الصحة لعمل كرنتينة على القادمين في تلك البطاح المعطرة بوادي الزاهر من أرض مكة المشرفة ، فصدر أمر أمير مكة ، سيدنا الشريف عبد اللّه باشا بن المرحوم الشريف محمد بن عون ، بعد حضوره من الطائف إلى أربعة من الفقهاء ، بقراءة ختمة قرآن مدارسة مرتلة ، يدورون بها حول مكة المشرفة ، تحويطا لها من السوء ، مبتهلين إلى اللّه تعالى في قبول ذلك . فابتدأوا من ناحية المصافي " بجياد " ، جاعلين دور مكة على اليسار ، مارين بحدودها من أعالي الجبال ، إلى أن وصلوا إلى جبل حراء ، ثم انحدروا على طريق