فجمع المهاجرين الأولين والأنصار فاستشارهم ، فاختلفوا عليه ، فمنهم القائل :
خرجت لوجه اللّه ، فلا يصدك عنه هذا . ومنهم القائل : إنه بلاء وفناء ، فلا نرى أن تقدم عليه . فقال لهم قوموا . ثم أحضر مهاجرة من قريش فاستشارهم ، فلم يختلفوا عليه ، وأشاروا بالعود ، فنادى عمر في الناس : إني مصبح على ظهر ، فقال أبو عبيدة : أفرار من قدر اللّه ؟ فقال : لو غيرك قالها يا أبا عبيدة ( يعني لانتقمت منه ) ، نعم نفر من قدر اللّه إلى قدر اللّه ، أرأيت لو كان لك إبل فهبطت واديا له عدوتان : إحداهما مخصبة والأخرى مجدبة ، أليس إن رعيت المخصبة رعيتها بقدر منه ، وإن رعيت المجدبة رعيتها بقدر منه ؟ وكان عبد الرحمن بن عوف غائبا فحضر ، فأخبر أنه سمع النبي صلى اللّه عليه وسلم حديثا في ذلك وهو قوله ، صلى اللّه عليه وسلم : " إذا سمعتم بهذا الوباء ببلد فلا تقدموا عليه ، وإذا وقع ببلد وأنتم به فلا تخرجوا فرارا منه " . فكان ذلك الحديث موافقا لما رآه عمر ، رضي اللّه عنه ، فانصرف الناس بالناس إلى المدينة .
وقد ورد هذا الحديث بالبخاري في الجزء الرابع بكتاب الطب بهذا النص :
حدثنا حفص ابن عمر ، حدثنا شعبة ، قال : أخبرني حبيب بن أبي ثابت ، قال سمعت أسامة بن زيد يحدث سعدا عن النبي صلى اللّه عليه وسلم ، قال : " إذا سمعتم بالطاعون بأرض ، فلا تدخلوها ، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا منها " . وقال شراح الحديث ، إن المنع من الدخول ، لا يتناول من كانت للمرضى مصلحة في دخوله كالأطباء وغيرهم . وهل هذا الحديث الشريف إلا قانونا صحيا وضع للناس قبل أول قانون وضعته فينسيا ( البندقية ) بثمانية قرون . انتهى كل ذلك من الرحلة الحجازية للبتنوني .
ومن اللطائف قول بعض شعراء عصرنا ، ونظن أن الشاعر كان من لبنان :
فهواك قد نال السبقا * بسواه لساني ما نطقا
وفؤداك قبلا ما عشقا * لكن مذ مر به علقا
فكأن هواك " كرنتينا "
قال العلامة المحدث الشهير ، السيد الكتاني ، في كتابه القيم العجيب ، الذي لم يؤلف مثله المسمى " بالتراتيب الإدارية " بصحيفة 466 ، من الجزء الأول ما نصه :
" باب في أصل ما يعرف الآن في الإدارات الصحية بالكرنتينة " في الصحيحين وغيرهما عن عبد الرحمن بن عوف قال : سمعت رسول اللّه ، صلى اللّه عليه وسلم ، يقول : " إذا