تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم — صفحة 197

مساهمون:

ص١٩٧
الزاجل لم ينقرض ، بل ما زال شيء من حمام الزاجل موجودا إلى اليوم في بعض الأقطار كمصر والشام والعراق وبعض البلدان الأوروبية ويحافظون على هذا النوع من الحمام كمحافظتهم على الآثار . . . هكذا كان حال البريد في العصور الماضية . ثم تدرج حال البريد شيئا فشيئا وتطور تطورا عظيما في عصرنا الحاضر حتى صار له أدق النظامات وأحكم القوانين كما هو معروف لدى جميع العالم . وإن أول من وضع أساس إدارات البريد وإدارات التلغراف والبرقيات وإدارات التليفونات الدولة التركية العثمانية . . . وضعتها عندنا بمكة المكرمة ، وبسائر مدن الحجاز بل وسائر البلدان والممالك الإسلامية التي كانت كلها تحت حكمها . فلما استقلت هذه الممالك كلها بنفسها وزال حكم الأتراك عنها حافظت على هذه الإدارات وصارت كل مملكة تزيد في أنظمتها وقوانينها ما تراه صالحا لخدمة الجمهور حتى وصلت حالتها اليوم شأوا بعيد المدى . هذا ولقد أدركنا رسائل البريد والأمانات تذهب بالحمير في كل يوم قبل وجود السيارات والطائرات من مكة المكرمة إلى جدة ، وإلى الطائف وإلى المدينة المنورة وإلى ما حول ذلك من القرى ، وكانوا يسمون ذلك ( بوستة الحمّارة ) بتشديد الميم ، فإذا وصلت هذه الرسائل والأمانات إلى البلدة أخذ الرجال الموظفون المختصون بهذا الأمر جميع الرسائل والأمانات وسلموها إلى أصحابها بأمانة تامة ، لا يحصل فيها شيء من الخيانة والتغيير ، حتى لقد كانت ترسل معهم صرر الفلوس من الريالات الفضية والجنيهات الذهبية . وإذا حصل أمر مهم يقتضي سرعة إرسال الرسائل والأمانات بغاية الاستعجال فإنهم كانوا يرسلونها مع النجاب ، بفتح النون وتشديد الجيم ، وهو رجل سريع الذهاب والعدو فيمشي على رجليه مهرولا من مكة إلى جدة أو من الطائف إلى مكة فيسلمها لأصحابها فيصل هذا النجّاب إلى البلدة قبل وصول الحمّارة بكثير ، وعندنا في العرب بعض الرجال معروفون بالعدو السريع . هذه الحالة كانت معروفة عندنا إلى أوائل العهد السعودي أي إلى سنة ( 1347 ه ) ألف وثلاثمائة وسبع وأربعين هجرية . ثم من بعد هذه السنة المذكورة كثرت السيارات عندنا ، فصار البريد يرسل بالسيارات إلى جميع المدن ، كما يرسل بالطائرات إلى داخل المملكة وخارجها . وتطور عندنا نظام البريد تطورا عظيما فاستراح الناس فيه راحة تامة .
التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم — صفحة 197 | محمد طاهر الكردي المكي ( خطاط )