تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم — صفحة 195

مساهمون:

ص١٩٥
هذا ولقد كانوا في الأزمان الماضية يخصصون حمام الزاجل لحمل الرسائل في الأمور المهمة ، في الحروب وغيرها لأن لهذا النوع من الحمام ذكاء خارقا وهو يطير في اليوم الواحد نحو ألف فرسخ ، والفرسخ في كتب الفقه ثلاثة أميال ، والميل أربعة آلاف خطوة والخطوة ثلاثة أقدام . والميل الواحد يساوي اثنين كيلو مترا إلا قليلا . فإذا علمنا هذا وقلنا أن الحمام الزاجل يطير في اليوم الواحد ألف فرسخ - والفرسخ يساوي خمس كيلو مترات وأربعين مترا - فإنه يكون مسافة ما يطير الحمام الزاجل في اليوم الواحد هي خمسة آلاف وأربعين كيلو مترا ، وإذا علمنا أن المسافة بين مكة المكرمة والمدينة المنورة هي أربعمائة وسبع وتسعين كيلو مترا ، فإنه يطير الحمام الزاجل في اليوم الواحد بمقدار عشر مرات من المسافة ما بين مكة المكرمة والمدينة المنورة . لذلك كان ثمن الحمامة الواحدة من حمام الزاجل قد بلغ سبعمائة دينار ذهبا في الأزمنة الماضية . وقد ذكر المؤرخون أن حمامة من هذا النوع طارت من خليج القسطنطينية إلى البصرة فبلغ ثمنها ألف دينار من الذهب الخالص . وقالوا إن ثمن بيضتي الحمامة الفارهة من النوع الزاجل تساويان عشرين دينارا من الذهب . وهذا كلام معقول مقبول لبيض هذا الطائر الفريد النبيل . ولقد بلغ من عناية الأقدمين بهذا النوع من الحمام الزاجل أنهم حافظوا على أنساب هذا الطائر الميمون فاتخذوا لها دفاتر وسجلات لقيد أفراخها وأولادها فيها كما حافظوا على أنساب العرب وأنساب خيولهم الأصيلة . ولقد ذكر المؤرخون أيضا أن السلطان نور الدين الشهير رحمه اللّه لما فتح كثيرا من البلدان اتخذ حمام الزاجل لإرسال الخطابات معه إلى من يدين له بالولاء وإلى من هو تحت حكمه ليقف على أخبار الحروب والممالك وذلك في عصر الحروب الصليبية وقد اتخذ لهذا الحمام في كل جهة وبلدة أبراجا وأقام لها حفظة وحراسا للعناية بطعامه وشرابه ونظافة أمكنته ومراقبة وصول المسافرين منه ، وأخذ الرسائل التي يحملها تحت جناحه أو في رجله . وكان كل برج من أبراجه يبعد عن الآخر بنحو اثني عشر ميلا ، وكان ينفق في سبيل هذا الحمام الزاجل أموالا طائلة . وكان حارس كل برج يقيد ساعة وصول الحمامة على ظهر الرسالة التي يحملها . وهذا النوع من الحمام لا يولد متعلما ، وإنما الرجال المتخصصون في ذلك يعلمونه