تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم — صفحة 196

مساهمون:

ص١٩٦
ويدربونه على الأعمال وولاة الأمور كانوا لا يهملون أمر هذا الطائر بل يراقبون وصوله وسفره بدقة تامة وعناية عظيمة لأن بعض شؤون الدولة متعلقة به في رسائله التي يحملها . ولقد استعمل السلطان صلاح الدين بن أيوب حمام الرسائل أي حمام الزاجل في حصار عكاء الذي استمر مدة سنتين . ولقد ألف العلماء والأدباء في ذلك العصر في حمام الزاجل رسائل قيمة ، منها ( تمائم الحمام ) ومنها " مسابقة البرق والغمام في سعاة الحمام " . هذا وإن أول من أرسل الحمام لاستكشاف الأخبار سيدنا نوح عليه الصلاة والسلام . فقد روى الإمام الأزرقي رحمه اللّه في أول تاريخه ما يأتي : عن عكرمة عن ابن عباس رضي اللّه عنه قال : كان مع نوح في السفينة ثمانون رجلا معهم أهلوهم وأنهم كانوا أقاموا في السفينة مائة وخمسين يوما وأن اللّه تعالى وجه السفينة إلى مكة فدارت بالبيت أربعين يوما ثم وجهها اللّه تعالى إلى الجودي . قال : فاستقرت عليه فبعث نوح عليه السلام الغراب ليأتيه بخبر الأرض فذهب فوقع على الجيف وأبطأ عنه فبعث الحمامة فأتته بورق الزيتون ولطخت رجليها بالطين فعرف نوح أن الماء قد نضبت فهبط إلى أسفل الجودي . انتهى من تاريخ الأزرقي . نقول إن إرسال سيدنا نوح عليه الصلاة والسلام الحمامة لتأتيه بخبر انحسار الماء عن الأرض إنما هو من معجزاته عليه الصلاة والسلام . ولا يبعد أن يكون حمام الزاجل من نسل حمام هذه السفينة . واللّه تعالى أعلم بغيبه ، ولا يبعد أن يكون إطلاق الناس على الحمام ( حمامة السلام ) استنتاجا من قصة حمامة نوح عليه الصلاة والسلام . هذا ثم لما تقدم الناس في عصرنا الحاضر في المدينة والحضارة والعمران واخترعوا آلات التلغراف " البرق " والتلفونات وغير ذلك من الاختراعات العجيبة التي لا تعد ولا تحصى ، استغنوا عن استعمال حمام الزاجل وإرساله بالرسائل وصاروا يرسلون الرسائل والخطابات بواسطة البريد المسجل المضمون في البر والبحر والجو ، ومن كان مستعجلا في أمر أرسل برقية إلى البلدة التي يريدها سواء كانت في البلاد الإسلامية أو في البلاد الأوروبية . وما كان من الأمور المهمة السرية يرسلون برقياتهم بالشفرة والرموز . وبذلك بطلت عادة إرسال حمام الزاجل بالرسائل لكثرة وسائل المواصلات السريعة . ومع ذلك فإن جنس الحمام