والاستعداد وقد تعلقت آمالهم بما ستشرق به الشمس كل صباح من أيام موسم الحج المنتظر ليفوزوا بما قسم اللّه لهم من رزق وكانوا هم به قانعون .
كان منهم المطوف الذي كرس حياته لخدمة الحاج وإرشاده إلى نسكه من يوم وصوله إلى يوم رحيله ، ومنهم التاجر الذي عمل في الاستيراد من خارج البلاد لما يستهلكه المواطن لضروريات حياته وما يأخذه الحاج كهدايا اغترابه لأهله وولده بالوطن وهناك من احترف صناعة جمة تميزت بفنها الجميل واختصت بها هذه البلدة الطاهرة ، ونذكر منها على سبيل المثال لا الحصر صناعة المسابح اليسر وأخشاب الصندل والزيتون وعظم الحوت في أشكال لا تجيدها إلا تلك الأيدي التي تخصصت في خرطها وزخرفتها بالفضة والمعدن ، وكانت هناك دباغة الجلود وصناعتها في أحذية ومحافظ وأحزمة يتسابق الحجاج على اقتنائها لما فيها من حسن صنعة وإبداع فن وكانت هناك صناعة السرج والأرسنة لمختلف دواب الركوب يتغالون في إخراجها ، حتى كان منها ما يطعم بالفضة الخالصة والمموهة بماء الذهب وكانت هناك صناعة الهوادج ( الشقادف ) المخروطة القوائم ( الملككة ) والمضفرة بخيط الخيزران ، وغير ذلك من صناعات تعتبر حقا من الفنون الجميلة وقد انقرضت أو تلاشت ، ولم يبق منها غير ذكرى تمر باسمه إذا ما نظر إلى الأسباب والعوامل الكثيرة التي غيرت وجه الحياة الاقتصادية لمكة المكرمة كما شاء لها اللّه عز وجل .
كان المسلمون في كافة بقاع الأرض يتمتعون بحياة رغيدة ونظم سهلة تكفل لهم حرية العبادة وحرية التصرف بممتلكاتهم وحرية الانتقال في أسفارهم لأداء فريضة الحج ، وفي سياحتهم للتزود بالمعرفة ، وكانوا يفدون إلى هذه البلاد المقدسة وقد حملوا وافر المال لتمتعهم بالحج والبذل بسخاء دون قيود مفروضة أو عراقيل مصطنعة ولكن لأمر قدره اللّه قد تبدل حال تلك البلاد إلى خوف بعد أمن ، وجزع بعد اطمئنان ، وسلب للأموال والحقوق والحريات ، وسخر الناس كآلات صماء تؤمر فتطيع ، ومما يؤسف له أن كثيرا من البلاد الإسلامية قد ابتليت بهذا الداء إلى درجة التلاعب في العقائد ، حتى لم يعد أحد من المسلمين بقادر على التمتع بحرية القدوم لأداء فريضة الحج أو العمرة ، وحتى من يسمح له بالقدوم يعطى له الإذن بمال لا يكاد يكفيه لقوته الضروري في أيام اغترابه ، فشحت أيدي الحجاج رغم إرادتهم مما أثر أسوأ الأثر على حياة مكة الاقتصادية ، الأمر الذي
التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم — صفحة 143
مساهمون: محمد طاهر الكردي المكي ( خطاط )
ص١٤٣