ثم بمرور الزمان والقرون والأعوام والسنون تغيرت الأحوال وكثر سكان مكة المكرمة واتسعت رقعتها ، وتقدم العالم في أقطار الأرض في المدينة والعمران ، فاتسعت أعمال التجارة بمكة المشرفة وبغيرها ، فصارت البضائع والخيرات ترد إليها من جميع الجهات والأقطار كما قد ذكرناها وفصلناها هنا في هذه المباحث الفريدة فسبحان الخلاق العظيم الذي يدبر أمر السماوات والأرض وإليه يرجع الأمر كله ، لا إله إلا هو العزيز الغفار .
النهوض بالصناعات بمكة المكرمة
إن اللّه تبارك وتعالى جعل بلده الأمين " مكة المكرمة " تحيط بها الجبال من كل جانب إلى مسافات بعيدة من الكيلو مترات ، وجعل بيته الحرام " الكعبة المعظمة " في وسط هذه الجبال ، وجعل أرض مكة وتربتها صخرية حجرية رملية لا تصلح للنبات والزروع ، وجعل فيها المياه قليلة على قدر الاستعمال من الأمطار والآبار المحفورة ، كما جعل سكانها قليلا بالنسبة إلى البلدان في الممالك الأخرى ، وجعلهم في العصور الأولى من جنس العرب من قريش ، ثم جعلهم بعد ظهور الإسلام وانتشاره في ربوع الأرض من مختلف البلاد الإسلامية ، كل ذلك لحكمة دقيقة لا يعلمها إلا هو العزيز الحكيم .
من هنا نعلم أن مكة المشرفة ليست موطن الصناعات والاختراعات ، وإنما هي موطن الإيمان والإسلام والعبادات ، يأتي إليها الحجيج آلافا مؤلفة في كل عام إلى قيام الساعة ، واللّه تعالى يرزق أهل مكة ومن يأتي إليها رزقا واسعا عظيما من الحبوب والثمار والخضار والأزهار ، كما يرزقهم من إنتاجات الصناعات التي تأتي إليها من جميع الممالك الإسلامية والأوروبية ، فتأتيها بواسطة التجار : الأقمشة بأنواعها القطنية والحريرية ، وتأتي إليها أنواع الحبوب والخضروات وأنواع الثمار والفواكه ، وأنواع الحلويات والسكريات ، وأنواع المعلبات المأكولة . وتأتي إليها مختلف الأواني والقدور والصحون وما يتبع ذلك من أدوات الأكل والمطابخ ، وتأتي إليها أنواع الماكينات الكهربائية بمختلف أجناسها ، والسيارات الفاخرة بمختلف أنواعها ، وتأتي إليها المفارش والكراسي والسرر ، والدواليب وأدوات الزينات الممتازة ، إلى غير ذلك مما يتعب الإنسان في عده ، الحاصل أن مكة المكرمة قد رزقها اللّه تبارك وتعالى بأنواع النعم والترف والبليغ من الكماليات