أدى بالكثيرين من سكانها إلى سلوك طرائق أخرى من العمل غير الذي توارثوه ، وأذهب عنهم اللّه جلت قدرته ما تصوروه من جزع وشدة بما صادفوه من نجاح أغناهم عن الاعتماد على مواسم الحج المجدبة . ويتابع المولى نعمه على سكان هذا البلد الأمين إذ أفاء جل جلاله من فضله على الدولة برزق وافر من ثروات الأرض لم تبخل به الدولة على تحسين حال الشعب عامة لتطوير حياته ففتحت المدارس والمعاهد المجانية لأبناء الشعب في شتى مراحل العلم وصنوفه حتى لم يخل طريق في أرجاء مكة من مدرسة ثم وضعت المشاريع العمرانية محل التنفيذ ، ومنها عمارة المسجد الحرام وافتتاح الطرق وتعبيدها وتخطيط المدينة وتغييرها من نظامها القديم إلى مدينة حديثة مما أوجد مجالات كثيرة للأعمال والكسب الحلال ، وتفتح الوعي وساير ركب الحضارة وخلقت صناعات وحرف شملت جميع مرافق الحياة ، حتى صار الناس يرون جديدا يبشر بخير في مطلع كل صباح .
ويحق لنا أن نفخر ببعض أبناء مكة المكرمة الذين كرسوا أنفسهم للعمل الجاد وشيدوا المصانع وأنتجوا سلعا ضاهت ما كان يستورد ، إن لم يفقه جودة وهو ما يوفر أموالا كانت تذهب إلى خارجها ، بل وأوجد مجالا للعمل الثابت للطبقة العاملة التي كانت تتعطل أكثر شهور السنة انتظارا لموسم الحج ، ولا يفوتنا أن نخص بالذكر أهم هذه المصانع والتي استحقت أن يطلق عليها هذا الاسم المشرف في سجل الخلود .
مصانع الحجاز للصاج
أقام هذه المصانع المواطن المكي الشيخ حسين محمد سعيد جستنية في عام 1373 ه بمنطقة جرول ، وقد جهزت بأحدث المكنات الضخمة المختلفة الاختصاص والمزايا وعمل الرجل بهمة لا تعرف الملل على تطوير مصانعه وزيادة اختصاصها ، حتى شمل الإنتاج أشكال وأنواع لا تحصى من الخزائن والمكاتب والكراسي وخزائن المطابخ والطاولات والثلاجات والشنط وسرر النوم وخلافها من أثاث مما يصنع من الحديد بالإضافة إلى الأدوات المنزلية المصنوعة من الألمنيوم في أشكال وألوان جذابة ، جميعها يغني عن استيراد مثيلها من البلاد الأجنبية .
وكان الشيخ حسن جستنية يعمل بالتجارة ثم اختير للعمل بالإدارات المالية بالدولة لفترة من الزمن ، ثم آثر حياة الكفاح في المجال الصناعي حيث رأى أنه أقدر على